عبد المجيد سويلم - النجاح - دعونا أولاً نتفق على أن ثمة فرقاً كبيراً بين أن يكون خطاب الرئيس في الأمم المتحدة هذه المرّة هو تكرار لمرافعاته التي كانت موفّقة في الأمم المتحدة على مدار السنوات الأخيرة كلها، أم أن هذا الخطاب اختلف عن كل خطاباته السابقة، وأنه أراد أن يقول بعض ما يجول في عقله، وأنه سيقول كل ما يفكر به في قادم الأيام القريبة!
كما أن هناك فرقاً كبيراً في رؤية الخطاب، وخصوصاً لجهة السؤال التالي:
هل ما أتى عليه الرئيس في الخطاب، أي الجانب السياسي الجديد منه، هو تكتيك سياسي، لمرحلة مؤقتة، ولأهداف مؤقتة، أم أن هذا الخطاب، وفي الجانب السياسي الجديد منه، خصوصاً وتحديداً قد جاء كتمهيد للدخول الفلسطيني في مرحلة سياسية تاريخية جديدة ستتحدد معالمها، وتحالفاتها وأدواتها وأشكال النضال للوصول إليها مع نهاية هذه المرحلة الانتقالية والتمهيدية للدخول إليها، أقصد المرحلة السياسية الجديدة، وما تعكسه من تحولات كبيرة في الواقع الفلسطيني.
وهنا أيضاً دعونا نتفق على ان محاولة التعرف على ما يجول في عقل الرئيس هي محاولة ذهنية تحليلية، ولا تستند إلى معلومات خاصة، وهي ليست اكثر من محاولة قراءة الخطاب في سياقات سياسية قابلة للقراءة والتخمين.
في هذه الزاوية بالذات لن أتطرق إلى الخطاب باعتباره خطاباً للإشادة من عدمها، او خطاباً لجرد الحسابات السياسية، او حتى خطاباً للدم والعتاب أو للتجاهل أو التشكيك في أهدافه والاستخفاف بما احتواه وما يمكن أن يؤسس عليه من تبعات.
ليس لأن كل ذلك عديم الفائدة والأهمية، وإنما لأن كل ذلك يمكن أن تكون له كل الفوائد الكبيرة، وكل الأهمية التي يستحقها عندما نضع الخطاب في ميزان الإجابة عن الأسئلة التي أشرتُ إليها آنفاً، وفي ميزان القدرة على وضع الفواصل والتخوم والحدود ما بين جملة ما يحتويه الواقع الفلسطيني من تعقيدات وصعوبات، وما سينطوي عليه هذا الواقع في المستقبل القريب.
لماذا بدأ الرئيس خطابه بالتأكيد على أن القضية الفلسطينية هي قضية شعب تم اقتلاع أكثر من نصفه في العام 1948، أي عندما بدأت وحصلت النكبة الفلسطينية؟
السبب هو أن رفض إسرائيل الرسمي والعلني لحل الدولتين، والموقف الذي يعتبر أن مثل هذا الحل ليس ممكناً الآن، وان أقصى ما يمكن أن يتم على هذا الصعيد هو التفكير بهذا "الحل" مستقبلاً، وبعد أن يتم تحويل هذا الحل إلى "حل" متفاوَض عليه، كما تعبر عنه الإدارة الأميركية، وبعد أن يتم اختزال هذا الحل في حكم ذاتي بات محدداً ومعروفاً في كل معطياته وتفاصيله، فإن "انتظار" هكذا حل هو في الجوهر بمثابة تواطؤ مع "الحل" الإسرائيلي، وذلك لأن "الحكم الذاتي" بالمعطيات الاقتصادية والسياسية ليس سوى تساوق مع "الفهم" الإسرائيلي لهذا الحل، والذي في حالة أن "تنازلت وتلطّفت" بالموافقة عليه سيكون إيذاناً نهائياً بنهاية الصراع، وإغلاق كامل ملف الحقوق الفلسطينية.
لا يوجد في الواقع حل اسمه حل الدولتين، لأن مثل هذا الحل ليس موجوداً في إطار البرنامج الوطني الفلسطيني.
الحل هو حل الدولتين مع كافة قضايا الحل النهائي، وعلى رأس هذه القضايا حق العودة حسب القرار 194.
على ما يبدو فإن الرئيس أبو مازن أراد أن يضع أمام الحل الإسرائيلي المصدّ القانوني الأول وهو الحقوق الفلسطينية الثابتة غير القابلة للتصرف، والتي تمثل قرارات واضحة وملموسة ومحددة في نصوص الشرعية الدولية والقانون الدولي.
والحقوق هي بالترتيب وحسب البرنامج الوطني الفلسطيني المقر من قبل المجلس الوطني الفلسطيني حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
والرئيس على ما أرى أراد من خلال هذا التركيز على حق العودة ان يعيد ربط الحقوق الفلسطينية بالقانون الدولي وبوحدة الشعب والأرض، والحقوق والأهداف متلازمةً ومترابطةً هي التعبير عن وحدة الشعب والأرض والقضية.
وأظن أن الرئيس أراد أن يقطع الطريق على محاولات تحويل الحقوق إلى دويلة في غزة، أو إلى معازل سكانية في الضفة او إلى "حلول" متفاوض عليها لتحويل هذه الحقوق وتقزيمها في صيغة ليست أكثر من الحل الإسرائيلي الذي بدأت تتكشف ملامحه أكثر فأكثر.
هل بات الرئيس يخشى من أن تحاول إسرائيل بالتوافق مع الولايات المتحدة، وفي ظل تقاعس المجتمع الدولي عن دوره، وفي ظل الإجماع الإسرائيلي على حصر هذه الحقوق الفلسطينية في "حكم ذاتي" هزيل مهما قدمت له من تسهيلات، وفي ظل حالة عربية مستعدة للتساوق مع هكذا مشروع، وفي ظل العبث الإقليمي الذي يهدف لتكريس كانتون غزة كحالة سياسية بديلة عن الحالة الوطنية.. هل بات الرئيس يخشى من فرض هكذا وقائع على الأرض؟
الجواب: نعم.
ولأن سلاح الشرعية الدولية هو السلاح الأمضى والأقوى في يد الشعب الفلسطيني، فقد تمسك الرئيس بنفَسِ هذه الشرعية عندما طرح ان الشعب الفلسطيني في حال فشل العالم بتطبيق قرارات الشرعية الدولية على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فإن خيار الشعب الفلسطيني هو قرار التقسيم وليس "حكماً ذاتياً اقتصادياً" في كانتون الضفة، أو تكريس كانتون غزة لمنع قيام دولة فلسطينية مستقلة، او إعطاء إسرائيل فرصة التذرع بهذا الكانتون لإجهاض المشروع الوطني.
عندما يفشل العالم بفرض حل الدولتين والذي هو الجزء الثالث من حق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف بعد حق العودة وحق تقرير المصير، فإن الشعب الفلسطيني لا يمكنه أن يبقى بدون برنامج سياسي، وهو لن يقبل التنازل عن حق العودة وتقرير المصير حتى لو قامت الدولة، وهي لن تقوم في ظل الواقع المحيط بكل أبعاده ودلالاته ومعطياته، ولذلك بالذات، ولذلك تحديداً وعلى وجه الخصوص فإنه (أي الشعب الفلسطيني) سيتبنى في إطار مؤسساته الوطنية حلاً بديلاً وهو حل قرار التقسيم والذي هو أيضاً قرار للشرعية الدولية، والقانون الدولي، بل وان "شرعية" إسرائيل نفسها تستند الى هذا القرار.
ولأن الشعب الفلسطيني لا يمكنه مباغتة العالم بهذا البديل، فإن الرئيس أراد أن يمهد الطريق أمام هذا الطرح بعد عام أو أقل من الآن.
إذاً، هناك سياق مقصود لهذا البديل ولم يأتِ لا بسبب غضب الرئيس أو شعوره بالإحباط أو عتبه على العرب أو الغرب. الذي لا أراه صحيحاً في خطاب الرئيس هو اعتباره "حل الدولة الواحدة" كأحد البدائل أو كبديل نهائي لا بد منه بسبب فشل الحلين الشرعيين، حل الدولة والعودة وتقرير المصير، وحل قرار التقسيم.
هذا ليس برنامجاً سياسياً، والدولة الواحدة قائمة، والدولة هي دولة "ابارتهايد"، والعالم بات يصفها بهذا الوصف، ويتكشف يومًا بعد يوم ان من المستحيل في المدى المرئي أن تتمكن إسرائيل من الخروج من هذا النفق، وكل محاولات الغرب لإنقاذ إسرائيل من هذا المصير لن تجدي نفعاً، لأن التحولات البنيوية فيها لم تعد قابلة للارتداد.
لا توجد مسافة زمنية طويلة قبل أن يصبح برنامج الحل الوطني هو إسقاط نظام "الأبارتهايد"، وإسقاط نظام "الأبارتهايد" لا يوازي حل الدولة الواحدة، ولا يؤدي إليه بالضرورة، إذ قد يؤدي إلى حلول تاريخية جديدة يصعب التكهن بها.
لهذا كله فإن خطاب الرئيس حتى وان كان له بعض الاستهدافات التكتيكية، فهو في الواقع التمهيد الأولي لمواجهة استحقاقات وصعوبات المرحلة القادمة، وهي بداية للشروع في مرحلة تاريخية جديدة.
هكذا قرأت خطاب الرئيس.