نابلس - طلال عوكل - النجاح - لا أكتب مقالاً هذه المرة، وأستعيض عن ذلك بالرسم. لا ضرورة لأن أدّعي امتلاك موهبة الرسم حتى أقوم بذلك فكل ما أقوم به فقط هو نقل للمشهد الذي يتشكل في الواقع منذ أسبوع، ولا يعترف به سوى الأعمى.
واسمحوا لي أيضاً، أن أكتب بلغة غسان كنفاني الذي قال إنه يكتب بلغة الدم، اللون الأحمر في العلم الفلسطيني ذي الألوان الأربعة، هو الطاغي، ولكن سهمه يتصل باللون الأبيض الذي يتوسط ألوان العلم.
في الذكرى الثالثة والسبعين للنكبة، ثمة أساليب مختلفة عما تعودنا عليه خلال السنوات السابقة.
لم تعد لغة الحسرة والندب والاستنكار، وإطلاق اللعنات على من كان سبباً في وقوع النكبة، ففي هذه الذكرى الأليمة، يرسم الفلسطينيون طريقاً يؤشر على مستقبل مختلف، مليء بالتفاؤل والأمل.
الإسرائيليون هم من عليهم أن يعضُّوا على أصابعهم ندماً لأنهم صدقوا أكاذيب الحركة الصهيونية، ووقعوا ضحية دوافع وأهداف استعمارية، فاعتقدوا أنهم قادمون إلى بلد العسل واللبن، حيث يمكن أن يعيشوا حياة أفضل من تلك التي كانوا يعيشونها في بلدانهم الأصلية.
ثمة من بدأ في إسرائيل يرفع الصوت، وإن كان في زوايا ثانوية، يحذرون الإسرائيليين من أنه لم يعد أمامهم سوى خيار واحد، وهو أن يخرجوا جوازات سفرهم الأصلية ويعودوا أدراجهم من حيث أتوا.
سنرى بعد توقف هذه الجولة، وبعد أن يتم فتح مطار بن غوريون مرة أخرى، كم عدد اليهود الذين سيسارعون لحجز مقاعدهم للعودة، ولكن يوماً ما ستكون أعداد هؤلاء أكبر وبحجم هجرة معاكسة.
إسرائيل الدولة النووية، والتي يصنف جيشها من بين أقوى عشرة جيوش في العالم، والتي تملك أقماراً صناعية في الفضاء تئن هذه الأيام، تحت ضربات الشعب الفلسطيني، الذي يقدم مشهداً وحدوياً رائعاً في مختلف أماكن تواجده داخل وخارج أرض فلسطين التاريخية.
هذه المرة تختلف عن كل العدوانات الإسرائيلية السابقة، التي شنتها على غزة، وعلى القدس، وعلى الضفة الغربية.
هي من بادر إلى إشعال فتيل الصراع حين تمادت في استباحة المسجد الأقصى وواصلت سياسة التطهير العرقي في حق المقدسيين، ومنهم سكان حي الشيخ جرّاح.
كان من الطبيعي والمتوقع أن يتصدى المقدسيون، لحماية مقدساتهم وبيوتهم ووجودهم وحقوقهم، فلقد انتصروا في معركة البوابات الالكترونية، وفي معركة باب العامود، لكن إسرائيل لا ترتدع لأنها تعتقد أن الظروف مناسبة لاستكمال مخططاتها التطهيرية للعاصمة الفلسطينية.
إسرائيل هي من اختارت التوقيت عبر ممارساتها الإرهابية المجرمة، والأرجح أنها فوجئت بالرد الفلسطيني، الذي جاء أولاً، من الضفة الغربية حيث اشتعلت محاور التماس ثم كان لا بد أن يكون لفلسطينيي قطاع غزة، دور في مقاومة هذه المخططات.
إن كان الفلسطينيون في الضفة، على تماس مباشر مع قوات الاحتلال وحواجزه، وآليات قمعه، ومستوطنيه، ويستطيعون خوض المعركة بوسائل شعبية سلمية أو شبه سلمية، فإن أهل غزة لا يملكون مثل هذه الإمكانية.
منذ العام 2004، حين دمرت اسرائيل مستوطناتها التسع عشرة في قطاع غزة، وأعادت انتشار قواتها العسكرية، اعتقد قادتها أنهم بذلك قد أقصوا مليوني فلسطيني من معادلة الصراع، وأن بإمكانهم أن يتنصلوا من مسؤولياتهم القانونية والإنسانية التي ترتبها القرارات والقوانين الدولية.
حاصرت القطاع وحاولت أن تدفع سكانه نحو الجنوب وتوهمت أن بإمكانها أن تدمر فكرة الحل السياسي ورؤية الدولتين من خلال إبقاء الانقسام وتعميقه لكن حسابات الحقل لم تتوافق مع حسابات البيدر.
تهرب إسرائيل من القطاع وتحاول الابتعاد عنه بالقتل والتدمير لكن الفلسطينيين في غزة، كانوا وما زالوا يلاحقونها ويمسكون بذيلها.
تضامناً مع القدس جرى تفعيل وسائل الإرباك الليلي على الحدود ولكن ما كان ذلك ليكفي في ظل تمادي العدوان الإسرائيلي على القدس وأهلها فكان لا بد من استخدام ما تم تحضيره بدأب ومثابرة منذ نهاية حرب 2014.
المقاومة هي التي بادرت هذه المرة بإطلاق الصواريخ، وربما كان ذلك للمرة الأولى حيث كانت إسرائيل هي التي تبادر، ولكنها في هذه المرة، وجدت نفسها أمام مفاجآت مختلفة عن الجولات السابقة.
القصف بالقصف والدم بالدم، وإدارة المعركة بمصداقية عالية والتزام حتى ربحت المقاومة معركة الوعي كما يقول الكاتب الإسرائيلي ناحوم برنياع.
في غزة، نحن كمواطنين بتنا نعرف أنه كلما أقدمت إسرائيل على ارتكاب حماقة، فإن المقاومة سترد مباشرة بكم كبير من الصواريخ.
في غزة نستطيع الخروج لقضاء بعض الحاجيات، فكثير من المحال تفتح أبوابها، والناس يخرجون على أقدامهم وأحياناً بسياراتهم لكن المقاومة جعلت من تل أبيب وعسقلان وأسدود، وعدد من المدن والمستوطنات، مدن أشباح.
غزة هي التي تفرض على المدن الإسرائيلية حظر التجول في النهار أو الليل، وهي التي تعطيهم بعض الوقت للخروج من المخابئ.
وصلني مشهد فيديو على "الموبايل"، لحاجز قلنديا الذي يشكو الفلسطينيون من قسوة إجراءاته، كان فارغاً، يحتله الشباب الفلسطيني، دون أن يلمحوا جندياً أو مستوطناً.
ثمة انتفاضة عالمية ضد إسرائيل من كل مكان، من لبنان والأردن والجولان، ومن معظم عواصم العالم، والعديد من الدول العربية والإسلامية.
فلتقل أميركا ما تقول، ولكنها مضطرة لأن تتدخل لإنقاذ ربيبتها من نفسها ومن الغليان الفلسطيني الذي يهدد بتفجير المنطقة، فأميركا ستظل هي كما نعرفها بغض النظر عن الاختلافات المحدودة بين رئيس وآخر.
المشهد الأشد خطورة وإيلاماً ما تشهده المدن الفلسطينية المختلطة التي خرج فيها الفلسطينيون للتضامن، ولكنهم جوبهوا بسلوك عنصري عنيف من الدولة ومؤسساتها القمعية ومن المجتمع اليهودي والمستوطنين.
هو مشهد يعيد إلى الأذهان مشاهد التمييز العنصري في جنوب إفريقيا ما يؤشر على بداية تفكك المجتمع الإسرائيلي.
الأفضل لنتنياهو أن يبكي على ما يجري، وإن كان يحاول رسم مشهد انتصاري كاذب من خلال مزيد من الجرائم بحق المدنيين والبيوت الآمنة، فإنه لن يفلح أبداً فالأرض بتتكلّم عربي.