عبد المجيد سويلم - النجاح - نعم، جريمة ومكتملة الأركان، أيضاً.
إذا كنّا بعد هذه التجربة الطويلة والقاسية قد تخلّينا عن النظرة المثالية، وأصبحنا ندرك فعلاً لا قولاً فقط، أن النماذج «الكتالوجية» ليست موجودة إلا في التصورات الذهنية، فإن القائمة المشتركة هي أبعد ما تكون عن هذه الصورة الذهنية، وهي لم تكن تجربة نموذجية من هذا القبيل وليس بوسعها أن تكون أصلاً.
ومع ذلك فإنها كانت وما زالت تجربة عظيمة بكل المقاييس السياسية والوطنية وحتى الديمقراطية.
في البداية لم تكن «المشتركة» أكثر من حالة استجابة كان يُفترض بها أن تكون طبيعية على تحديات طُرحت على الواقع الانتخابي في إسرائيل، أملت على مكوناتها تشكيلها، وتوحيد قواها في إطار يمكنها من التصدي المشترك، لعبور او تأمين عبورها للنسبة الجديدة للحسم التي طرحها اليمين، ومن قبل ليبرمان تحديداً في محاولة تهميش الصوت العربي في الداخل الفلسطيني، وتحييد تأثيره في المعادلة السياسية والحزبية الاسرائيلية على حدٍّ سواء.
عندما نقول، إن «المشتركة» هنا كانت استجابة واعية لهذا التحدي فإننا نقصد أن طابعها الغالب عند هذه النقطة هو طابع «نفعي» مباشر، وطابع وطني وديمقراطي مأمول، وقابل للتعويل عليه والبناء من على أساسه.
وبالفعل سرعان ما تحول المحرك النفعي المباشر الى ضرورة وطنية، وتحولت تلك الاستجابة الأولى الى حالة وطنية واعدة والى فعل وطني مجابه للسياسات اليمينية القومية الدينية المتطرفة لحكم نتنياهو، وكل حلفائه ومريديه والمهووسين به وبألاعيبه.
وهكذا وباختصار فإن تشكيل القائمة المشتركة واستمرارها وصمودها وتعمق دورها وارتقاء مكانتها، وحتى تجاوز بعض عثراتها التي شهدنا بعض فصولها لم يكن حصيلة لمراجعة وطنية درست وتمت بعناية وتخطيط، وإنما تبلور هذا التشكيل في خضم مواجهة مع اليمين العنصري، وفي سياق معركة وطنية مشرفة شارك فيها كل طرف من أطرافها المكونة؛ ذلك ان المعركة كانت محتومة بين هذه المكونات وبين هذا اليمين على سلسلة طويلة من القوانين العنصرية الجائرة، والتي تتوجت بقانون «القومية»، الذي بات تتويجاً من ناحية وأساساً ومنطلقاً نحو المزيد من السياسات العنصرية التي تلازمت وترافقت مع كل سياسات محاولة تصفية حقوق شعبنا والإجهاز عليها بمشاركة نشطة و»ريادية» من إدارة ترامب من ناحية أخرى. أي أن «المشتركة» قد عبرت في خضم تجربة فريدة إلى مرحلة الضرورة الوطنية، بعد أن تجاوزت الاعتبارات النفعية المبكرة، وانتقلت الى دائرة التغيير والتأثير، وعبرت عن حدوث انتقال نوعي جديد في احتضان أهلنا في الداخل الفلسطيني لها، والاصطفاف الوطني حولها، وشق طريق جديد أمام شعبنا ليس في الداخل فقط، وإنما ـ وهذا الأمر هو في الواقع على درجة استثنائية من الأهمية ـ أمام شعبنا كله تحت الاحتلال وفي الشتات.
خلال هذه المرحلة بالذات، وفي سياقها ومعمعانها رفعت القائمة المشتركة شعار إسقاط نتنياهو باعتباره (أي نتنياهو) حامل لواء العداء السافر لشعبنا وحقوقه وأهدافه، وكمحرض أول ورئيس على أهلنا في الداخل الفلسطيني. وهنا بالذات كادت القائمة المشتركة تودي به وتسقطه، وتحدث انقلاباً دراماتيكياً في الخارطة السياسية والحزبية في إسرائيل كلها.
ولولا ان نتنياهو استنجد بترامب، واستجاب ترامب لنداء النجدة، وضغط على غانتس لعقد قران «مسيار» مع نتنياهو لحدث الانقلاب فعلاً.
ليس هذا فقط، وإنما تحولت «المشتركة» إلى لاعب سياسي معترف به من البعض الإسرائيلي، غير معترف به علنا من قبل البعض الآخر، في حين أصبحت «المشتركة» منكرة ومستنكرة من كل أطياف اليمين، وتنكر الوسط واليسار التقليدي الصهيوني لهذا الدور وهذه المكانة الجديدة بالرغم من بعض محاولات الاعتراف. لم تتم الأمور كما أرادتها القائمة المشتركة، ولكن تم لها التحول الى قوة سياسية لم يعد بالإمكان الاستهانة بها، وأصبحت اللاعب المرشح بجدارة لطور جديد من العمل السياسي عنوانه الأهم هو التأثير والتغيير.
هنا بالضبط، يمكننا أن «نؤرخ» للهجوم المضاد على «المشتركة»، وانطلاقا من هذا التطور بالذات بدأت لعبة وشبهة شق القائمة المشتركة.
هنا سيقول بعض «الأصدقاء»، إن هذا التأريخ ربما ينطوي على تماهٍ ما مع نظرية المؤامرة، التي يحلو لهم قذفها في وجهنا كلما أمسكنا بهم متلبسين بالجرم المشهود.
لا يا سادة، الأمر لا يتعلق بنظرية المؤامرة، لأن شبهة شق القائمة المشتركة جريمة مكتملة الأركان كيف؟
الذي يطلب ويدعو للاصطفاف الى جانب نتنياهو ـ إذا لزم الأمر ـ وهو أمر يبدو أنه قد أصبح (لزاماً لديه)، عليه تقع بيّنة الأسباب الموجبة لهذا التحول في المواقف، والتي تصل الى درجة الردّة الكاملة وتؤدي إلى فتنة مؤكدة.
وبما أن البيّنة على من ادّعى فإننا نسأل:
هل فشلت القائمة المشتركة، كيف ومتى وما هو المعيار، ومن هو الذي يحق له أن يمغير حالة وطنية على هذه الدرجة من الأهمية والحساسية المفصلية؟
هل يحق لأحد أن يفبرك «واقعية» مباغتة ينتقل بموجبها من شعار إسقاط حكومة التطرف اليميني وإسقاط نتنياهو الى الدعوة للاصطفاف الى جانب هذا اليمين، بذريعة أنه يعمل على بقاء القائمة المشتركة قائمة «مستقلة»، ولكي لا تتحول هذه القائمة إلى كرت في جيب أحد؟
وهل تحافظ القائمة المشتركة على استقلاليتها عندما تنتقل من دائرة المطالبة والدعوة بإسقاط اليمين إلى الاصطفاف إلى جانبه أم أنها تبيع نفسها سلفاً وتضع نفسها مسبقاً في جيب اليمين؟
الحقيقة أن هذا «التحارص» على استقلال قرار القائمة المشتركة ليس سوى الاسم الحركي أو المستعار (تحت وابل من الواقعيات المباغتة) الساذجة والمستبسطة ومسبقة الصنع لهجوم مضاد أُعد له على نار كامنة، كانت جمراً تحت رماد من أصبحوا على حين غرّة على كامل الاستعداد للانخراط في هذا الهجوم. هذا الاستعداد كامن وموجود قبل تشكيل «المشتركة»، واستمر مع مسيرتها، وسيظل يتربص بها، لأن مشروع «المشتركة» الوطني والديمقراطي لا يلتقي مع مشروع «الواقعيون الجدد» إلاّ عند الحدود «النفعية» لتشكيل القائمة، واستمر على مضض لبعض المراحل اللاحقة لتلك الحدود.
الموضوع هو أن منظومات المنطق السياسي لدى هؤلاء الواقعيين المباغتين الجدد مشوّشة للغاية، ويكتنفها اللبس والغموض، وتشي بكل أنواع الريبة والشك، وتنطوي على أهداف هي خليط من عقلية الوقيعة والفتنة، أما من الناحية الأدواتية فهي معول لهدم ما تم بناؤه، و»جهود» منسّقة للفرقة والتشتيت، ووسائل وأساليب لبعثرة المقدرات الوطنية، وهي في جوهرها لا تختلف عن «جهود» كثيرة مماثلة لها ومتماهية معها عبرت عنها وعن نفسها بالانقلاب على الشرعية الوطنية في القطاع، وفي مناطق أخرى تمتد من تونس وتصل الى اليمن مرورا بسورية والعراق ومصر وليبيا لأن المسألة أبعد من حدود الداخل الفلسطيني.
السبب في ذلك كله أن نموذج القائمة المشتركة «يجب» كسره من وجهة نظر هؤلاء، لأن توحيد الوطنيين والقوميين والشيوعيين والمتدينين الإسلاميين في إطار جبهوي واحد، «لا يجوز أن يستمر» وفي وضع فلسطيني يعاني من الشرذمة والانقسام، وفي وضع عربي يهرول نحو الاصطفاف مع نتنياهو ومع اليمين يصبح هذا الاستهداف شبهة ترتقي مع كل أسف إلى مستوى الجريمة.
وعندما تستبدل قوى سياسية استراتيجيتها الشاملة بحفنة من الألاعيب السياسية فعلينا أن نفتش فوراً عن الأصابع الخفيّة وعن المصالح الفئوية وعن خدمة اليمين بوعي أو بغيره.

نقلا عن صحيفة الأيام