الناشط الحقوقي عدي عمار - النجاح - منذ عام 2002 بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي عملية عسكرية واسعة النطاق في الأراضي الفلسطينية وأطلقت عليها آنذاك باسم " السور الواقي", إذ أنها قد قامت فيها باجتياح كامل للمدن والقرى الفلسطينية واستباحتها وارتكبت فيها اشد وأبشع الجرائم بحق الشعب الفلسطيني ولم يكن ذلك غريباً على دولة الاحتلال.

هذه العملية كشفت فيما بعد حقيقة الاحتلال في الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وطرد السكان الفلسطينيين منها، وكانت أبرز ملامح هذه الخطط الصهيونية هي إقامة جدار الفصل العنصري ( أو ما يسمى الجدار الفاصل).

ومع منتصف عام 2002 بدأت حكومة الاحتلال ببناء الجدار العنصري على طول 770 كم وقد تم الانتهاء من بناء ما يقارب 406 كم أي ما نسبته 52% من المسار الكامل للجدار.

ومنذ عام 2002 أصبح هناك عدد من المعيقات أمام المواطنين الفلسطينيين في الوصول إلى أراضيهم الزراعية, ما شكل أثراً سلبياً على حياتهم الاقتصادية وعرقلة حركة السير أمام المواطنين, بعيداً عن أنه أيضاً هدف إلى السيطرة على جزء من المياه الجوفية للفلسطينيين من خلال وجود الجدار فوق أهم الآبار الجوفية.

منذ ذلك العام لم تشهد الساحة الفلسطينية أي تغيير في سياسة الاحتلال في إيجاد هذا الجدار العنصري، وأصبحت الضفة الغربية معزولة تماماً عن الأراضي الفلسطينية خلف الجدار، وأصبح الاحتلال متحكماً في دخول المواطن الفلسطيني إلى أراضيه الزراعية من خلال فتح البوابات الزراعية في أماكن وأوقات محددة، عدا عن أنه لا يمكن الدخول عبر هذه البوابات إلى عبر تصاريح العبور والتي تتحكم دولة الاحتلال أيضا في منحها للفلسطينيين.

وبشكل مفاجئ ومع نهاية شهر أيلول من عام 2019 اختلفت الأمور دون أن يكون هناك سببا واضحاً لها، إذ أنه تم فتح البوابات الزراعية ليدخل منها الشبان الفلسطينيون دون وجود ما يسمى بحرس الحدود، والناظر للمشهد الشبابي الفلسطيني من هذا الأمر يجد أن هناك فرحة دخلت قلوب العديد من الشباب جراء هذا الفعل، وكأنهم كانوا في سجن مغلق وفتحت الأبواب إمامهم.

وهنا يثار السؤال ماذا أراد الاحتلال من ذلك؟

لا اعتقد أن دولة الاحتلال قد تقوم بأي يوم من الأيام بفعل يعود بالفائدة على الشعب الفلسطيني دون أن يكون هناك مقابل لهم، ولا اعتقد أن سياسة فتح البوابات الزراعية كانت تصب لمصلحة المواطن الفلسطيني، إذ أن هناك أمراً خفياً لا يعلمه الكثير من أبناء الشعب الفلسطيني في أسباب فتح هذه البوابات الزراعية.

فلو عدنا قليلاً للأعوام السابقة، لوجدنا أن هناك العديد من المبادرات الدولية والتي طرحت لغايات حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والتي من شأنها هدم كل ما يطمح له الفلسطينيون من إقامة الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس الشريف مع التمسك بالثوابت الفلسطينية.

ومن هذه المبادرات ما يسمى في "الحل الاقتصادي " وكانت من الحلول التي تلوح فيها وسائل الإعلام العبرية والتي لم تكن إلا من منطلق وغايات الدول ذات التأثير والنفوذ في العالم.

لم يكن الحل الاقتصادي يهدف إلى ما كافح من أجله القيادة الفلسطينية في الحفاظ على الحقوق الوطنية الفلسطينية وعلى رأسها حق العودة وتقرير المصير، ولم يتناول مسألة طرد الاحتلال أو تعزيز قدرات وإمكانيات الشعب الفلسطيني على التحرر وتقرير المصير، وإنما يقوم على أساس إقامة علاقات التطبيع ما بين الفلسطينيين والصهاينة، وتهيئة كامل الظروف والتي من شأنها إنهاء هذا الصراع, إذ أن هذا الحل قد كان يرتكز على تأمين الوضع الاقتصادي للفلسطينيين وإيجاد الوضع الجيد لمستواهم الاستهلاكي سيجعلهم ينسون الحقوق الوطنية الثابتة و إن توفير الفرصة لهم للعمل وجني المال ستكون أداة اقتصادية تجعل المواطن الفلسطيني في أمان اقتصادي ما يجعله غير مهتم في المطالب السياسية والوطنية والتي تسعى لها القيادة الفلسطينية عبر السنوات الماضية.

وهذا قد يستعرض علينا إحدى السيناريوهات والتي من شأنها أن تقول أن الحكومة الإسرائيلية السابقة كانت لتستفيد من إظهار حقيقة الحل الاقتصادي مع الفلسطينيين وليس الحل السياسي, والذي من شأنه ضياع الحقوق الفلسطينية من إقامة دولة فلسطينية مستقلة بعاصمتها القدس الشريف وعدم الحفاظ على الثوابت الفلسطينية.

لذلك لا بد من المواطن الفلسطيني أن يكون واعياً لمثل هذه الأمور، وأن يكون على يقين تام بأن الحل الاقتصادي سيجل هناك ضياع للحقوق الفلسطينية، فالمطالب الفلسطينية، والثوابت الفلسطينية هي واضحة والحل مع الاحتلال لن يكون إلا حالاً سياسياً يتحقق فيه تلك المطالب، وفتح البوابات الزراعية ما كان إلا وسيلة من خلالها يظهر الاحتلال فرحة الشباب في الدخول إلى دولة الاحتلال للبحث عن العمل ما يجعله يلوح أمام العالم في أن الحل الاقتصادي هو الحل.