فهمي شراب - النجاح - خاص- صحيح أن معاهدة فرساي 1919 أسدلت الستار على الحرب العالمية الأولى، ولكنها أيضا كانت سبباً جوهرياً في نشوب الحرب العالمية الثانية، حيث تضمنت هذه الاتفاقية (فرساي) ظلما وإجحافا كبيرين على ألمانيا المهزومة من قبل دول الحلفاء المنتصرين، الذين فرضوا عقوبات (إجراءات) اقتصادية وسياسية وأمنية واجتماعية ومالية وعسكرية قاسية عليها،  وذلك لمنعها من تشكيل أي خطر في المستقبل على دول جيرانها من دول الحلفاء.

حيث رأى الألمان لاحقاً بان هذه المصالحة أو الاتفاقية مثلت إهانة  كبرى لهم، إضافة إلى الأوضاع المعيشية الصعبة التي وجدوا أنفسهم يعيشونها، حيث تلقائيا أدت كل تلك الضغوطات والمعاناة  ومظاهر القهر إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية على يد أدولف هتلر، - والذي جاء للحكم بطريقة ديمقراطية- والذي كان جنديا في الحرب العالمية الأولى ورأى كيف صارت عملية الإذلال والمهانة والقهر، وعندما تقدم في انتصاراته في الحرب العالمية الثانية وانتصر على فرنسا، ذهب لقصر فرساي في باريس وأمر بإحضار العربة ذاتها التي تم توقيع معاهدة فرساي فيها,لكي يوقع مع الفرنسيين اتفاقية جديدة تتضمن شروط الانتصار الألماني. (العامل النفسي دوما حاضرا، ويزداد حضوره في عالمنا العربي الحالي)

إذا كانت هذه الكارثة التي أزهقت أرواح ملايين البشر في أوروبا وقعت في بلدان مستقلة برغم ما يجمعهم من تقارب حضاري، لان المصالحة آنذاك انطوت على ظلم كبير لطرف،  فما بالنا نحن الفلسطينيون ونحن نعيش في نفس الوطن ونفس الجغرافيا، وتحت أعتى احتلال، يحاول كل طرف فرض شروطه القصوى على الطرف الآخر؟ بدون تسامح أو إعطاء اعتبار لتاريخ من النضال المشترك والقيم المشتركة والمصير المشترك الذي ينتظرنا!  

المصالحة التي تتم الآن غير قائمة على مبدأ لا غالب ولا مغلوب، بل تسير وفق الإجبار والإكراه، وكسر الآخر، وإضعافه. وهذا لا يتوافق مع أدنى المبادئ الوطنية الفلسطينية. الأصل أن يكون في هذه المصالحة مبدأ  الجميع فائز  Win- win theory ، تطبيقا لتجربة نيلسون مانديلا الناجحة في جنوب إفريقيا،،   وليس نظرية Zero-sum game ،، (النظرية الصفرية التي تقوم على خسارة طرف) وذلك حتى يتحقق الرضا ومبدأ التوزيع العادل والمتكافئ، وان لا يكون الشعب أو جزء منه ساكت على ضغينة و جرح غائر يمكن أن ينكؤه أي محفز داخلي catalyst    أو تدخل خارجي  في أي لحظة أو ظرف مما تمر به قضيتنا الفلسطينية التي تواجه وما زالت عدة صعوبات وتحديات إقليمية ودولية.

وبمجرد إلقاء نظرة على التقارير التي تتحدث عن مشاريع فصل غزة، وإلحاقها كما كانت بمصر، ومن ثمة إعفاء الاحتلال من مسئوليته عن قطاع غزة بخصوص الإمدادات الحيوية مثل الكهرباء وأدوات البناء الخ...، فان هذا يرفع روح المسئولية لدى القيادة بضرورة انجاز المصالحة بأي ثمن، مهما كان التنازل لأهل غزة من اجل عدم ترك الضفة وحيدة تنهشها قطعان المستوطنين، وحتى لا يتلاشى المشروع الوطني مع استمرار قضم أراضي الضفة وتهويدها وأسرلتها وترحيل بعض سكانها قسرا، فالضفة أصبحت مجرد كنتونات متناثرة مقطعة الأواصر، تحت السيادة الإسرائيلية كلها،  لذلك، الفلسطينيون لا يملكون ترف الوقت والتفكير والتردد والتخاصم والتناكف، ولذلك كان لزاما علينا الإسراع  بتوحيد الأقاليم والمدن والشعب تحت سلطة واحدة، وتحت قيادة واحدة، شرط مراعاة هذه القيادة  خصوصية كل مكون من مكونات النضال الفلسطيني الذي تشكل عبر العقود الماضية، من اجل البناء والنهضة والتصدي بقوة لأي مؤامرة أو تحدي خارجي. مع تأكيد بان غزة كما هي الآن باستقلالها النسبي الكبير، وما وصلت إليه من قوة دفاعية وانجلاء الاحتلال عنها وتمتعها بعدم وجود حواجز إسرائيلية كما الضفة الغربية يجعلها ملاذا آمنا وحصنا لأي قيادة فلسطينية تريد أن تعمل بحرية واستقلالية من اجل الوطن.