الدكتور عقل أبو قرع - النجاح - كما كان واضحا من خلال مقابلة مبعوث السلام ومستشار وصهر الرئيس الامريكي، " جاريد كوشنر، مع جريدة «القدس»، وكما يتضح من خلال زيارات فريق السلام الامريكي الى عواصم المنطقة المختلفة، فإن الهدف السريع لهذا الزخم، هو تحسين الاوضاع الانسانية في غزة ، والهدف الأبعد هو الربط الاقتصادي وبشكل استراتيجي لمسارات السلام بحيث تشكل الاغراءات الاقتصادية الدعامة بعيدة المدى للفلسطينيين ولدول عربية مثل الاردن ومصر وغيرهما من أجل الموافقة أو السماح بتمرير ما بات يعرف بـ " صفقة القرن".

وبالطبع فأن الربط الاستراتيجي للاغراءات الاقتصادية مع المسار السياسي ليس بالجديد، حيث تمت في الماضي محاولات عديدة من أجل محاولة تحسين حياة الفلسطينيين، سواء من خلال التحركات الامريكية مع الجانب الاسرائيلي أومن خلال الطروحات الاسرائيلية المباشرة، عبر حزمة من الخطوات، الصغيرة والمتوسطة وربما الكبيرة، وبالاخص خطوات اقتصادية لها علاقة بحياة الناس، وتصب في مجالات البطالة والتشغيل والتصاريح وربما بعض المشاريع هنا او هناك، وبالتحديد في ما بات يعرف بمناطق "ج"، أو تحسينات على المعابر والتنقل والتصدير وما الى ذلك من امور او مواضيع اعتاد عليها الناس في الماضي، وربما سوف تتكرر في المستقبل.

ومن الواضح ان هذه الخطوات الجديدة القديمة، تندرج تحت ما بات يعرف بـ"بالسلام الاقتصادي"، الذي هو ان جاز التعبير مرادف "للسلام السياسي"، الذي هو متوقف حاليا في ظل حالة الجمود وانسداد الأفق وبالأخص بعد نقل السفارة الامريكية الى القدس. ومن الواضح ان الهدف من زيارة موفدي السلام الامريكيين، هو بحث سبل تنشيط او تحفيز الاقتصاد الفلسطيني، وبالاخص جمع المبالغ، لتنفيذ مشاريع، كبيرة ولها صدى او بريق، تساهم في زيادة الناتج الاجمالي السنوي وبالتالي تضخ النشاط في الاقتصاد الفلسطيني الضعيف وغير المستدام.

والهدف الاكبر والاهم هو تحريك الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية الراكدة، في ظل الجمود السياسي الحالي، وتعثر المفاوضات، وعدم وجود افاق او انفراجات في المدى المنظور او المتوسط، وبالتحديد منع انفجار انساني وسكاني وربما أكثر من ذلك في قطاع غزة.

وقبل عدة سنوات ، كثر الحديث والنقد والتحليل والكتابة عما كان يعرف ب " خطة كيري الاقتصادية"، نسبة الى وزير الخارجية الامريكي في ذلك الوقت، وذكرت الانباء في حينه ان الخطة تهدف الى جمع اكثر من اربعة مليارات من الدولارت، من الدول ومن الهيئات التمويلية ومن المستثمرين ومن القطاع الخاص ومن شركاته وامتداداته، والاستثمار في مشاريع كبيرة استراتيجية، وتشغيل الالاف من الخريجين الفلسطينيين، اي من الايادي المتعلمة والمدربة، وتحقيق النمو الاقتصادي، والبناء والتنمية والرفاه وما يمكن ان يتبع ذلك، وبالتالي تناسى وربما مؤقتا مطالب اساسية سياسية حول القدس واللاجئين والارض والاستيطان، من الصعب الخوض فيها او نقاشها حاليا، في ظل اوضاع المنطقة والعالم المتدحرجة والساخنة.

وفي ظل عودة الحديث هذه الأيام عن مفهوم وخطوات لها علاقة بـ" السلام الاقتصادي" فأنه لا يوجد جدال بأن الاستقرار او الهدوء او توفر المقومات، والأهم الظروف السياسية ، هي من أهم ضمانات او حوافز تشجيع الاستثمار، وبالاخص الاستثمار من رجال الاعمال من القطاع الخاص أو الشركات الخاصة، أي من الشركات وحاملي الاسهم ورأس المال الخاص الذي يهدف في المحصلة الى الربح، والذي هو الاساس لاي استثمار متواصل او مستدام، والذي هو المؤشر على الاستقرار وتوفر المقومات والبنى التحتية، وتوفر القوانين والحوافز والتشريعات والنزاهة.

والأهم توفر الأفق السياسي، أي أن الاستقرار او الامل بأستقرار سياسي هو الذي يجر رأس المال الخاص والمال العام اي من الدول او الهيئات الاقتصادية الدولية، للعمل وللاستثمار، وربما هذا ما حدث خلال السنوات التي تلت اتفاق اوسلو وتشكيل السلطة الفلسطينية، وما رافق في ذلك الوقت من امل ومن تفاؤل بالتنمية والبناء وما الى ذلك.

ومعروف أن اوضاعنا صعبة وأن الديون المتراكمة على الخزينة العامة او العجز المتراكم في الميزانية يصل الى حوالي اربعة مليار دولار امريكي، ولا يجادل أحد بحاجة الناس، وبالاخص الشباب، الذي يشكل النسبة الاكبر من المجتمع الفلسطيني، وبالاخص الخريجين الى العمل، خاصة ان نسبة البطالة في بلادنا تصل الى اكثر من 25%، وان نسبة الفقر تتعدى ذلك كذلك، وبالتالي هناك الحاجة الى توفر العمل للعيش بكرامة ولبناء المستقبل. ولا يجادل احد اننا بحاجة الى الكثير من المشاريع، وبالاخص المشاريع ذات البعد الاستراتيجي، اي الطويل المدى، او المستدام، مثل مشاريع البنية التحتية، والمصانع والمطارات والموانئ، ومشاريع السياحة، والتصنيع الزراعي، ومشاريع التكنولوجيا والمياه، وكل ذلك مهم لاي بلد، وبالاخص لبلاد مثل بلادنا ، وبالتحديد في الوقت الحالي وفي الظروف الراهنة، الذي تقوم الجامعات هذه الايام بتخريج عشرات الالاف من الطلبة الذين يتوقون الى ايجاد فرص للعمل والى بناء مستقبل والعيش بكرامة.

ومعروف أن مصادر الدخل الفلسطينية الحالية كانت وما زالت محدودة أو مقيدة، وان توقعات الميزانية، تعتمد على جزء من اموال المساعدات الخارجية وترتبط بشكل مباشر بايرادات المقاصة التي يتحكم بها الجانب الاسرائيلي، ومعروف ان المساعدات الخارجية ترتبط بالاوضاع السياسية، او بالافاق او المسار السياسي، وهي ترتبط كذلك بالاهداف او الشروط او المصالح السياسية للمانحين من دول ومن منظمات، ومن ضمن ذلك الولايات المتحدة الذي يمثلها كوشنير وغرينبالات في زيارتهم الحالية.

واذ لا ينكر أحد أهمية الاقتصاد لتوفير العمل او لارساء دعائم البنية التحتية او حتى للحصول على البضائع بالجودة والسعر المناسب للناس، ولا ينكر احد ترابط الاقتصاد مع السياسة ومع الثقافة ومع التعليم ومع مجالات الحياة الاخرى، ولا ينكر احد حاجة الالاف من الموظفين لراتب اخر الشهر لتوفير مستلزمات الحياة اليومية ولدفع القروض للبنوك وللتفكير اوللتخطيط للمستقبل، ولكن ومن خلال التجارب والخبرات القريبة والبعيدة، لا يمكن ان يصبح الاقتصاد هو العنوان اوهو المحرك او الغطاء للادعاء بوجود تقدم او بناء او تنمية، اوهو المؤشر للقبول بواقع او للحفاظ عليه، اوهو الهم الرئيسي سواء للحكومة او للناس، خاصة في ظل الحديث عن قضايا ترتبط بالحقوق الانسانية والكرامة والمعاناة والمستقبل وعاصمتها القدس.

وبالتالي، وفي ظل زيارة الوفد الامريكي الحالي، وما رافقها من تصريحات وتعهدات بأغراءات، فإن المسار السياسي، يبقى هو الذي يجب أن يسبق ويحدد مدى التقدم في المجال الاقتصادي، والتغيرات على الارض، من حواجز ومن معابر والوصول الى الارض والمياة والمصادر الطبيعية، ومن حرية التنقل والتواصل، ومن توفر عوامل الاستقرار، ومن وضوح المستقبل، حيث ان كل ذلك هو الذي يحدد مدى ومتى وكيف سوف يستثمر القطاع الخاص، سواء الفلسطيني او العربي او الدولي، وكذلك كيف وكم سوف تستثمر الدول المانحة في فلسطين، وما يتبع ذلك من آثار اجتماعية واقتصادية وما الى ذلك.

وقد يكون ضخ الاموال الامريكية أو الخليجية او غيرها ، وبكثرة ومن طرف واحد في هذه المرحلة، او القيام بخطوات من الجانب الاسرائيلي على الارض قد يكون لها اثار ايجابية على حياة الناس، الا ان هذا التأثير الايجابي ومهما شمل من قطاعات ومن اعداد، يبقى مؤقتاً، اي ليس دائماً او مستداماً، وبدون أرضية صلبة، او بدون توافر عوامل الاستقرار للمدى البعيد.

وبالتالي، فأن الغطاء الاقتصادي، ومهما كان كبيرا او سميكا او جذابا للتحركات الامريكية ولغيرها، لن يحجب الجمود السياسي على الارض، ولن يجعل الناس، وبالاخص الشباب تنأى وفي ظل توفر نوع من الرخاء المفترض، وتوفر نوع من المشاريع ومن فرص العمل، لن تحجبه عن القضايا الاساسية وبالأخص موضوع القدس، التي هي قضايا وجود وحقوق وكرامة ومستقبل. وبالتالي هل يمكن تصور ان قضايا اساسية مثل القدس، والأرض او الجزء من الارض الذي سوف يتم اقامة مشاريع فيه او حتى الانسحاب منه، او قضايا المياه، او الاغوار، هل يمكن تصوّر مبادلتها بمليارات من الدولارات المؤقتة، او برفاه او بسيولة او بمشاريع وفرص عمل، أو بمطار ومناطق صناعية وسياحية.؟ واذا لا يمكن تصور ذلك، فهل يمكن ان يكون الزخم الاقتصادي، او السلام الاقتصادي، الذي رافق زيارة الوفد الامريكي الحالي كما رافق زيارات سابقه، وربما سوف يرافق زيارات مستقبلية اخرى، او حتى عقد المؤتمرات الاقتصادية الدولية وغيرها، وفي ظل تضاؤل الامل بتحقيق تقدم في مجال الحقوق، ان يكون هو البديل او الغطاء للجمود الحالي، او قادر على الخروج من الاوضاع الحالية؟!.

عن القدس الفلسطينية