عبير بشير - النجاح - تواجه إيران –بعد انسحاب ترامب من الإتفاق النووي- هجمة أميركية مركزة تستهدف تهذيب سلوكها في المنطقة،وإعادة صياغة أدوارها إقليمياً ،ما يجعل إيران أمام خيارات صعبة وقاسية: بين المواجهة والتصعيد،أو اللجوء إلى المراوغة لتأجيل الصدام الحتمي مع الولايات المتحدة. وأصبح من الواضح بأن الملف النووي بات العباءة التي تتطلى خلفها مطالب سياسية وعسكرية أميركية على درجة كبيرة من الأهمية.
خطاب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الذي هو الأول حول السياسة الخارجية لبلاده ،بدأ فصلا جديدا وصعبا في العلاقات الأميركية - الإيرانية . وأرسى  خريطة طريق للتعامل مع التهديدات التي تشكلها طهران. حيث عرض بومبيو شروط الولايات المتحدة الإثنى عشر من أجل التوصل إلى اتفاق جديد مع إيران حول برنامجها النووي،وهي تتعلق بإجراءات صارمة من مسائل حيوية في مشروع إيران النووي، والصواريخ الباليستية وتكنولوجيتها، والتوقف عن دعم حزب الله في لبنان وسورية. 
وللوهلة الأولى،تبدو -خريطة طريق بومبيو- الجديدة حول إيران أشبه بوصفة لتغيير النظام في طهران. لكن نظرة فاحصة على خريطة الطريق تكشف عن نهج أكثر تطوراً  وواقعية. فلقد حاول  بومبيو ربط المسألة النووية مع المسألة الأوسع،وهي سلوك إيران في منطقة الشرق الأوسط،وكان مطلب بومبيو التاسع:هو أن تبادر إيران إلى سحب قواتها من سورية،فيما غاب عن خطابه أي اشارة لنية للإدارة الأميريكية بتغيير النظام الإيراني،أو بالتدخل في خريطة توزيع القوى في السجادة الإيرانية. ولا  تعني إستراتيجية–بومبيو- أنها قيد التنفيذ العاجل،بقدر ما تعني أنها قراءة أميركية لواقع المنطقة الذي تريده في الأصل والعمق ضامناً وكفيلا لأمن حليفتها إسرائيل.
المطالب الأميركية تضع الجمهورية الإسلامية أمام خيارين أحلاهما مر، فإن هي رضخت تجازف بخسارة كل أوراق القوة التي راكمتها لعقود، الأمر الذي يهز عرش النظام الإيراني. وإن هي عاندت واجهت حصاراً قاسيا ،سيفاقم من مشكلاتها الاقتصادية والاضطرابات الداخلية. 
وليس في الأفق الآن ما يشير إلى احتمال نجاح الدول الأوروبية في اجتراح صيغة يمكن أن توازن بين موقفي كل من الولايات المتحدة وإيران من الإتفاق النووي وترضيهما معاً.في الوقت التي تدرك طهران جيدا، بان الترويكا-الفرنسية الألمانية البريطانية- غير قادرة على مواجهة المقاطعة الترامبية السياسية والإقتصادية للإتفاق النووي حتى لو أرادت ذلك.
مسألة تغيير السلوك الإيراني كانت أيضا ،حاضرة بقوة في الخطاب الذي ألقاه ترامب،وأعلن فيه الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران. وهو بهذه الخطوة،ينهي سياسة أوباما الداعمة للنظام الايراني. 
لقد استطاعت إيران خلال عقدين من الزمن أن تبلور صراعاً جديداً في منطقتنا العربية وتحويل الصراع من عربي- إسرائيلي إلى صراع سني- شيعي، منذ أن أناطت  الولايات المتحدة بها دورا وظيفيا طائفيا ، وسمحت لها بدخول العراق والتوغل فيه كقوة احتلال ثقافية ودينية واقتصادية وسياسية، ومن ثم التمدد باتجاه الدول المحيطة وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية.
ومن المؤكد أن الإدارة الأميركية الحالية،لا تريد الدخول في حرب شاملة مع إيران،ولا تريد كسر اليد الإيرانية ،ولكن تقليم أظافرها حتى لا تزعج حليفتها إسرائيل.
وحتى الآن، لم تبد طهران أي استجابة للعروض الإسرائيلية بالمباشرة في حربٍ مع تل أبيب في سورية،وهي لا ترد على القصف الإسرائيلي ضدها، حتى إنها  لا تعلن ولا تدين القصف الإسرائيلي ضد قواعدها في سورية. مع أن الغارات الإسرائيلية والأميركية ضد مخازن أسلحة ومطارات تابعة للحرس الثوري قي سورية،صارت شبه يومية،فيما روسيا تقف متفرجة وسط سيل هذه الهجمات.فما يجري ميدانياً في سورية هو حرب غير معلنة،لا يرغب أطرافها في توريط أنفسهم بالإعلان عنها.
جنرالات أميركيون أكدوا في اجتماعات جانبية،أن الضرب على الوجود الإيراني في سورية،سيستمر حتى ينغرس المسمار الإيراني إلى العمق الأقصى، فكلما ضربت إسرائيل وأميركا المواقع الإيرانية وتراجع الرد الإيراني، خسر الحرس الثوري من هيبته ووزنه أمام الشعب الإيراني وفي الخارج، وحدث زلزال داخلي في طهران، لأنه من الصعب على ضباط وقيادات إيرانية عاشت وتضخمت وتألقت على وقع التضخم العسكري والخطابي أن تصمت طويلا.
القيصر بوتين ،إستوعب الرسالة الأميركية،فإستدعى الأسد إلى سوتشي لإبلاغه أن التحالف مع إيران لم يعد متاحاً. وتمحور لقائهما حول نقطتين: الأول، أن ما تحقق عسكرياً كافٍ للبدء بـ محادثات السلام سواء في آستانة أو في سوتشي. والثاني،أنه مع بدء- المرحلة النشطة -من العملية السياسية ستنسحب القوات الأجنبية من الأراضي السورية. بالنسبة الى القوات الأجنبية المعنية فتولّى المبعوث الروسي الخاص لسورية،ألكسندر لافرنتييف التوضيح أنها  القوات الأميركية والتركية والإيرانية وميليشيا حزب الله.
الحديث عن ضرورة سحب كل القوات الأجنبية من سورية نزل على طهران مثل صاعقة، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي رد على بوتين بالقول: «لا أحد يستطيع إخراج إيران من سورية، وإن وجودها العسكري سيستمر ما دام هناك طلب من الحكومة السورية، وإيران دولة مستقلة تتابع سياساتها على أساس  مصالحها.
. بينما نشر موقع –تابناك- الإيراني التابع لأمين مصلحة تشخيص النظام محسن رضائي، تقريراً غاضباً جاء فيه أن النظام السوري وموسكو اتفقا على إقصاء إيران، في مقابل إشراك الدول الغربية في الحل السياسي للأزمة السورية،وفي إعادة إعمار سورية،تزامن ذلك مع بدء فرار الشركات الأوربية من طهران ،بعد وصايا ترامب العقابية ضد النظام الإيراني.والأكيد بأن في ذهن كل مسؤول إيراني بأن الانسحاب السوري من لبنان،أدى إلى خروج النظام السوري من دمشق،حتى لو بقى بشار فيها شكليا.
  على كل حال ، ليس هناك ما يشير إلى أن مواجهة أميركية إيرانية وشيكة الحصول، فلقد أظهر خطاب بومبيو- رغم حدته- أن الطابع الاقتصادي للعقوبات اهم من الطابع العسكري او التوجه نحو اللجوء الى القوة، في وقت لا يسع إدارة الرئيس ترامب خوض حرب شاملة في الإقليم فيما تستعد لسحب قواتها من سورية وإخلاء أكثر من عشرين قاعدة شرق هذا البلد. وفيما تستعد للانتخابات النصفية للكونغرس  في أواخر السنة، والتي يخشى الحزب الجمهوري أن يمنى فيها بخسارة جراء سياسات ساكن البيت الأبيض.

نقلا عن الأيام