د. دلال عريقات - النجاح - انشغل الشارع الفلسطيني والعربي والإسرائيلي والأمريكي وغيرها بتطورات الأسبوع الماضي بسبب تقديم فلسطين ملف إحالة أمام المدعية العامة لمحكمة الجنايات الدولية للتحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية ضد الشعب والأرض الفلسطينية. الكثيرون تساءلوا عن فاعلية هذه المحكمة أو فائدتها، سنحاول الْيَوْم تقديم المحكمة وهيكليتها وصلاحياتها وطبيعة عملها كما سنتحدث عن علاقة إسرائيل بالمحكمة وتداعيات ذلك على ملف الإحالة الفلسطيني.

المحكمة هي هيئة مستقلة غير تابعة للأمم المتحدة كما يعتقد الكثيرون، لقد وجدت المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة المتهمين الأفراد بجرائم الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم الاعتداء. مقرها لاهاي بهولندا وممكن أن تعقد جلساتها في أي مكان آخر، وهنا لماذا لا ندعوها لعقد جلسة في فلسطين؟ ظهرت فكرة المحكمة عام ١٩٩٣ وتمت مناقشة ميثاقها في روما عام ١٩٩٨ وتحول القانون إلى معاهدة مُلزمة في ٢٠٠٢. جاء تأسيس المحكمة للحد من الانتقائية في إقامة المحاكم الدولية مثل رواندا ويوغسلافيا ولردع انتهاكات حقوق الإنسان وللنظر بجرائم ضد الإنسانية.

لفهم عمل المحكمة، من المهم معرفة مكوناتها:

١- رئاسة المحكمة وتضم ٩ قضاة ينتخبون لمدة ٩ أعوام.

٢- مكتب المدعي العام: يختص بالتحقيق في الاتهامات بالجرائم ومهمته البحث ودراسة الدلائل والوثائق وتفحصها ثم عرضها على المحكمة.

٣- قسم السجل ومهمته متابعة الأمور الإداريّة.

اختصاصات المحكمة واضحة وهي:

•الاختصاص الموضوعي: الجرائم التي تخضع لاختصاص المحكمة الجنائية الدوليّة:

١- الإبادة الجماعية: وهي أي فعل من الأفعال المحددة في نظام روما (مثل القتل أو التسبب بأذى شديد) ترتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو أثنية أو عرقية أو دينية، بصفتها إهلاكا كليا أو جزئيا.

٢-الجرائم ضد الإنسانية: أي فعل من الأفعال المحظورة والمحددة في نظام روما متى ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين وتتضمن مثل هذه الأَفعال القتل العمد، والإبادة، والاغتصاب، والعبودية الجنسية، والإبعاد أو النقل القسري للسكان، وجريمة التفرقة العنصرية وغيرها.

٣-جرائم الحرب: تعني الخروقات الخطيرة لاتفاقيات جنيف 1949 وانتهاكات خطيرة أخرى لقوانين الحرب، عندما ترتكب على نطاق واسع في إطار نزاع مسلح دولي أو داخلي، ومن أبرزها: جرائم العدوان.

• الاختصاص الإقليمي:خلال مفاوضات نظام روما، حاولت الكثير من الدول جعل المحكمة ذات سلطة عالمية. لكن هذا الاقتراح فشل بسبب معارضة الولايات المتحدة. وتم التوصل إلى تفاهم يقضي بممارسة المحكمة لسلطتها فقط ضمن الظروف المحدودة التالية:

-إذا كان المتهم بارتكاب الجرم مواطناً لإحدى الدول الأعضاء بعد قبول دولة المتهم بمحاكمته.

-إذا وقع الجرم المزعوم في أراضي دولة عضو في المحكمة وسمحت الدولة التي وقع الجرم على أراضيها للمحكمة بالنظر في القضيّة.

-إذا أحيلت القضية للمحكمة من قبل مجلس الأمن.

•الاختصاص الزماني: تستطيع المحكمة النظر فقط في القضايا المرتكبة في أو بعد 1 يوليو 2002، وبالنسبة للدول التي انضمت لاحقاً بعد هذا التاريخ، تقوم المحكمة آليا بممارسة سلطتها القضائية في هذه الدول بعد 60 يوما من تاريخ مصادقتها على الاتفاقية.

•الاختصاص التكميلي: الغرض من المحكمة أن تكون محكمة ملاذ أخير، فتحقق وتحاكم في حالة فشل المحاكم الوطنية.

بعد قراءة الجرائم التي تندرج ضمن اختصاص المحكمة، نجد أن جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين بقيت خارج إطار المساءلة الدولية إلى أن انضمت فلسطين كدولة لميثاق روما وأصبحت دولة عضو في محكمة الجنايات الدولية في نيسان ٢٠١٥. ولأغراض محاكمة الإسرائيليين على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي تُمارس ضد الشعب الفلسطيني كان لا بد للفلسطينيين من التقدم رسمياً للمحكمة بطلب تحقيق وهذا ما فعلوه بعد الانضمام مباشرة ولكن حسب آلية العمل الدولية فالإحالة التي تتضمن الملفات والإحداثيات وتفاصيل الجرائم تستدعي المحكمة لدراسة الملف المقدم فوراً دون تأخير وهذا ما حصل هذه المرة بعد أن عمل الفلسطينيون منذ عام ٢٠١٥ على تحضير هذا الملف وتجهيز ما يلزم للإحالة للمدعية العامّة لتباشر مهام دراسة الملف حسب المعطيات التي أمامها.

الشروط اللازم توفرها للتوجه لمحكمة الجنايات:

١- أن تقام الدعوى باسم الدولة.

٢- أن تكون الدولة التي تقيم الدعوى طرفاً موقعاً ومصادقاً على اتفاقية روما.

٣- أن تكون الدولة المدعى ضدها طرفاً في تلك الاتفاقية.

الكثيرون متشائمون بسبب عدم مصادقة إسرائيل على نظام محكمة الجنايات وبالتالي عدم إمكانية محاكمتها؛ الصحيح أن المحكمة في الوضع الحالي وبعد دراسة الملفات ستقوم بطلب المجرمين الأفراد المشتبه بهم للتحقيق وفِي الغالب لن يتعاونوا لأنهم غير ملزمين بسبب عدم عضوية دولتهم وبالرغم من ذلك فإن إسرائيل قلقة جداً من إمكانية مقاضاة ضباطها ومستوطنيها وقادتها أمام محكمة الجنايات الدولية، وفِي الواقع عملت إسرائيل منذ انضمام فلسطين للمحكمة بتشكيل طاقم قانوني لتقديم مشورة قضائية لمواجهة الدعاوى لأنه من خلال ملف الإحالة، تطالب فلسطين بمحاكمة ضباط إسرائيليين كمجرمي حرب ومحاكمة المستوطنين باعتبار البناء في المستوطنات جريمة حرب والترحيل جريمة ضد الإنسانية، تشمل الملاحقات الجرائم ما بعد ٢٠٠٢ أي منذ تأسيس المحكمة، ولكن الملف الفلسطيني الذي تمت إحالته يطالب بتحقيق في الجرائم منذ ٢٠١٤.

الآن على دولة فلسطين التأكد من ملاءمة قانونها الداخلي مع القانون الدولي والنظام الأساسي للمحكمة وهنا نقصد مراجعة قوانين مثل قانون حكم الإعدام والجرائم الإلكترونية وغيرها من القوانين الجنائية للتقرب من القوانين الدولية حتى لا نجد دعاوى ضد دولة فلسطين وأفرادها مما سيكلفنا مالاً ووقتاً وجهداً.

الدول الموقعة ملزمة بتسليم الأشخاص المتهمين كمجرمي حرب إلى المحكمة الجنائية الدولية مهما كان منصبهم - قائد سياسي - قائد عسكري - رئيس الدولة - رئيس الوزراء - وزير- ضابط - جندي، حيث لا حصانة لارتكابهم جرائم ضد الإنسانية، ويتم ملاحقتهم بشكل شخصي وليس بصفتهم الرسمية. نعلم أن ملاحقة ومقاضاة مجرمي الحرب وإلزاميته مرتبط بقرار من مجلس الأمن يصدر بموجب الفصل السابع، وهذا في الحالة الإسرائيلية سيصطدم بالڤيتو الأمريكي ولكن ما يهمنا كفلسطينيين هو توثيق جرائم الحرب وتقديمها لجهات الاختصاص في الوقت المناسب لأن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم، والمثير في الموضوع هو أن أسماء القادة أو الجنود أو الرؤساء أو الوزراء المطلوبين للعدالة ستوضع على لائحة الملاحقة باعتبارهم مجرمي حرب وستتم ملاحقتهم دولياً من طرف الدول الأعضاء في نظام روما والذي تجاوز ١٢٤ دولة مُلزمة جميعها بمحاسبة أي مجرم ولو كان إسرائيلياً، إذا تواجد على أراضيها وهذا ما يسبب الذعر للإسرائيليين والأمريكان الذين عارضوا الخطوة من البداية.