فاتنة الدجاني - النجاح - من الصعب الاقتناع بأن قرار الكونغرس تجميد المساعدات للفلسطينيين بسبب رواتب الأسرى والشهداء، مرتبط فعلاً بالقوانين الأميركية التي تحظر تمويل الإرهاب والعنف والتحريض. لو كان هذا صحيحاً لما كان بالإمكان تجميد التجميد كما حصل في الماضي، أو كما سيحصل مجدداً إن كان للدور الأميركي في عملية السلام أن يستمر، وإن كان للتنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل أن يُستأنف.

ويبدو من الصعب تصديق أن المساعدات ما هي إلا مبلغ ٣٠٠ مليون دولار سنوياً فقط. مبلغ بائس إذا ما قارناه بالمساعدات التي تحظى بها إسرائيل (٣.٨ بليون دولار). فكيف إن كان قسم منه يُنفق على حفظ الأمن وتطوير برامج تطبيق القانون وتدريب أجهزة الأمن الفلسطينية وتمويلها وتعزيز التنسيق الأمني؟ أما تمويل تحسين مستوى معيشة الفلسطينيين من خلال التنمية، فبالتأكيد ليس نابعاً من قلقٍ على مصلحة الفلسطينيين. هو مصلحة أميركية أولاً وأخيراً، فهناك أدوار السلام، بحيث لا يحدث فراغ يملأه الأوروبيون، أو تحسباً لخيار التدويل الفلسطيني. وهناك أمن إسرائيل.

لكن إذا كانت المساعدات مصلحة أميركية، ورغم ذلك أقر الكونغرس تجميدها، فلمصلحة من يعمل؟ وكيف يُتخذ القرار في أميركا؟ أتبعاً للمصلحة العامة أم لمصلحة إسرائيل ولوبياتها؟ ولماذا لا تخضع المساعدات الأميركية للدولة العبرية لمثل هذه الشروط وترتبط بانتهاكها حقوق الإنسان الفلسطيني؟

التمويل سلاح. والمساعدات باتت سيفاً مسلطاً على رقبة الفلسطينيين، وأداة للابتزاز السياسي مع غياب تفعيل شبكة الأمان المالية العربية للسلطة، فهذه الهجمة الشرسة لمجلس الشيوخ غير بعيدة من قرار مجلس الأمن الذي أدان الاستيطان بوصفه عقبة أمام حل الدولتين. وهي تجلت في المواقف الصادرة عن السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هايلي، وفي مطالبة ١٦ برلمانياً أميركياً بتدويل قانون تجميد المساعدات.

هكذا تحول الكونغرس ناطقاً باسم إسرائيل، والشواهد كثيرة، فمن منا لا يذكر خطاب رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو أمام الكونغرس عام ٢٠١١؟ هذا بحد ذاته حالة يقاس عليها. دخل القاعة كمن يدخل بيته، تحدى الرئيس أوباما في عقر داره، وتصرف كأنه سيد البيت. تملقوه كثيراً، ثم وقفوا ٣٠ مرة، أو ربما أكثر، للتصفيق له وهو يكرر لاءاته ضد العودة الى حدود ١٩٦٧، والتنازل عن القدس، وحق العودة. ثم ما لبثت بعثة برلمانية رسمية أن توجهت الى إسرائيل لدرس مسألة نقل السفارة الأميركية الى القدس. ولم يمض وقت طويل حتى نظم الكونغرس مراسم احتفالية بالتزامن مع احتفال الكنيست بـ «يوم القدس»، أي بذكرى مرور ٥٠ عاماً على احتلالها.

في ظل هذا التناغم والتماهي بين الجانبين، لن يكون غريباً إن أخطأ أحدهم واعتقد أن إسرائيل هي الولاية الـ ٥١ للولايات المتحدة الأميركية. يكفي أن تجاوب مجلس الشيوخ مع موقف الحكومة الإسرائيلية كان أكثر بكثير من تجاوبه مع وزير خارجية أميركا ريكس تيلرسون الذي أكد في جلسة استماع أمام لجنة العلاقات الخارجية ذاتها في الكونغرس أن الفلسطينيين عدلوا عن سياستهم منح رواتب لعائلات الشهداء والأسرى. ويكفي أن التشريعات الأميركية تقيّد المساعدات بشروط الاعتراف بإسرائيل وبالاتفاقات الموقعة معها وبنبذ العنف، وأن نحو ثلث المشرعين الأميركيين من أصل يهودي.
إنه الكونغرس حينما هو كنيست.