نابلس - النجاح الإخباري - تواصل إسرائيل رسم ملامح استراتيجيتها الأمنية في لبنان بالتوازي مع التطورات السياسية المرتبطة بمذكرة التفاهم التي وقّعتها الولايات المتحدة وإيران، في وقت يكشف فيه الجيش الإسرائيلي عن خطط لترسيخ وجوده العسكري في جنوب لبنان، وسط جدل داخلي بشأن قيود العمل الميداني ومستقبل المواجهة مع حزب الله.
ونشر جيش الاحتلال خريطة جديدة لمناطق انتشار قواته في جنوب لبنان، موضحاً أن قواته تنتشر، وفق الحاجة العملياتية، داخل ما يصفه بـ”الحيز الأمني” على مسافة تصل إلى نحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. وأكد الجيش أن قواته تواصل العمل على إزالة التهديدات وتحسين منظومة الدفاع عن بلدات شمال إسرائيل، مع التشديد على أن النشاط العملياتي مستمر وأن الاقتراب من هذا الحيز يشكل خطراً.
وتشير التقديرات السائدة في إسرائيل إلى أن الاتفاق الذي تدفع إليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع إيران قد لا يصل إلى اتفاق نهائي خلال فترة المفاوضات الممتدة 60 يوماً، فيما ترى دوائر إسرائيلية ضرورة الحفاظ على موطئ قدم عسكري في لبنان على الأقل حتى شهر نوفمبر المقبل، بانتظار ما قد تتيحه التطورات السياسية الأميركية بعد انتخابات منتصف الولاية.
وعلى الأرض، تواصل القوات الإسرائيلية تمركزها في مواقع تعتبرها استراتيجية، من بينها مرتفع علي طاهر المطل على منطقة النبطية، وقرية تبنين، إضافة إلى نقاط انتشار تمتد في بعض المناطق إلى عمق 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. ويشير الجيش إلى أن انتشار قواته لا يتطابق بالكامل مع “الخط الأصفر”، وأن قيادة المنطقة الشمالية أجرت سلسلة نقاشات لتحديد مواقع الانتشار بما يحقق أفضل قدرات المراقبة والسيطرة النارية.
ويؤكد جيش الاحتلال أنه سيواصل التمسك بالحيز الأمني وفق الحاجة العملياتية، مع الحفاظ على حرية العمل ضد التهديدات داخل المنطقة وخارجها، فيما لا تزال الخطوات المقبلة قيد البحث ضمن المفاوضات المباشرة الجارية بين إسرائيل ولبنان برعاية أميركية، على أن تعقد الطواقم المختصة اجتماعات إضافية خلال الفترة المقبلة.
وبحسب الرؤية الإسرائيلية، فإن الحيز الأمني البحري يُعد امتداداً للحيز الأمني البري، فيما يدعو الجيش الصليب الأحمر والجهات المعنية إلى التنسيق معه، كما يطالب سكان لبنان بالامتناع عن الاقتراب من المنطقة بسبب المخاطر القائمة فيها.
في المقابل، تكشف تقارير إسرائيلية عن حالة من التوتر داخل صفوف القوات المنتشرة في لبنان، في ظل استمرار إطلاق النار والهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للدروع. ووفق مصادر ميدانية إسرائيلية، فإن تعليمات فتح النار أصبحت أكثر تقييداً بعد وقف إطلاق النار، ما حدّ من قدرة الجنود على الرد على الهجمات أو إحباطها إلا في حالات إزالة التهديد المباشر.
وتقول مصادر عسكرية إن القوات تلقت تعليمات بالاحتماء داخل مواقع محصنة وتقليص تعرضها للخطر، فيما أعرب قادة ومقاتلون عن خشيتهم من أن يصبحوا أهدافاً سهلة لحزب الله، خاصة مع استمرار الهجمات واستهداف مواقع تمركز القوات. كما تحدثت المصادر عن حالة من الارتباك بشأن طبيعة المهمة الحالية للقوات الإسرائيلية في لبنان.
وفي ظل هذه التطورات، يحاول جيش الاحتلال تثبيت ما يصفه بـ”حقائق على الأرض” عبر ترسيخ وجوده داخل المنطقة الأمنية، في وقت تؤكد فيه المؤسسة الأمنية أن حزب الله، رغم الضربات التي تلقاها خلال الحرب وخسارته آلاف المقاتلين وكميات كبيرة من الصواريخ والقدرات العسكرية، ما زال يمتلك القدرة على تنفيذ هجمات وإدارة حرب عصابات ضد القوات الإسرائيلية باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للدروع.
وفي موازاة ذلك، كشف العقيد احتياط “س”، مدير بنك الأهداف في وحدة “نحلة بنيامين” التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، عن استمرار العمل على إعداد بنك أهداف للجولات العسكرية المقبلة في لبنان وإيران وساحات أخرى، رغم التفاهمات السياسية القائمة.
وقال الضابط إن جيش الاحتلال يواصل إعداد خطط هجومية ضد أهداف إيرانية تشمل محطات الكهرباء وصناعة النفط، مؤكداً جاهزية هذه الخطط للتنفيذ في حال صدور قرار سياسي بذلك.
كما عرض تفاصيل تتعلق بآليات إعداد بنك الأهداف الإسرائيلي، مشيراً إلى أن وحدته مسؤولة عن تخطيط وتنفيذ عشرات آلاف الغارات الجوية التي نُفذت خلال الحرب في غزة ولبنان وسوريا واليمن وإيران، بالتنسيق مع أجهزة الاستخبارات المختلفة.
وتطرق الضابط إلى عمليات استهداف قادة حزب الله، مقدماً رواية إسرائيلية حول ظروف اغتيال الأمين العام السابق للحزب حسن نصر الله، مؤكداً أن الجيش كان يمتلك خططاً لاستهدافه في مختلف المواقع التي كان يستخدمها، وأن عملية اغتياله نُفذت بعد متابعة طويلة لتحركاته ومواقع إقامته وملاجئه.
كما كشف تفاصيل عن عمليات استهداف قيادات أخرى في حزب الله، بينها فؤاد شكر وإبراهيم عقيل وعلي كركي، إضافة إلى حديثه عن خطط هجومية أُعدت خلال الحرب ولم تُنفذ، من بينها هجوم واسع كان مقرراً ضد قيادة حزب الله في أكتوبر 2023.
وأشار الضابط إلى أن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران فرضت قيوداً على مهاجمة الضاحية الجنوبية لبيروت في المرحلة الحالية، لكنه أكد أن العمل على تحديث بنك الأهداف مستمر، وأن الخطط العسكرية جاهزة للتنفيذ فور صدور قرارات من القيادة السياسية.
وفي ما يتعلق بإيران، قال إن الهجمات الإسرائيلية استهدفت منظومات الدفاع الجوي والرادارات والمطارات والمنشآت الصناعية والعسكرية وقطاع الطاقة، لكنه أقر في الوقت نفسه بقدرة إيران على إعادة تأهيل جزء من الأضرار بسرعة، مشيراً إلى أن سنوات العقوبات ساهمت في تعزيز قدراتها الإنتاجية المحلية.
وتعكس هذه التطورات، بحسب التقارير الإسرائيلية، حالة من الترقب وعدم اليقين داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، التي تحاول في الوقت ذاته الحفاظ على وجودها العسكري في جنوب لبنان، وتعزيز أوراقها الميدانية، والاستعداد لأي مواجهة مستقبلية محتملة في المنطقة