طلال عوكل - النجاح - أنهت التفاهمات التي أجراها الوفد الامني المصري مع إسرائيل، وحركة حماس في غزة، الجدل الذي استمر لبعض الوقت، بشأن العلاقة بين التهدئة والمصالحة. هذه التفاهمات أدت عمليا إلى فتح ملف غزة، التي بدأت تشهد انفراجات متدرجة، بدءا بالكهرباء، ثم توسيع مساحة الصيد، فإدخال الأموال القطرية لصرف رواتب موظفي حركة حماس، وتقديم مساعدات متواضعة لنحو خمسين ألف أسرة. ومع هدوء حركة الوفد الامني المصري، يتصدر السفير القطري محمد العمادي المشهد. العمادي أجرى لقاءات موسعة مع منظمات المجتمع المدني، ومع الفصائل لكنه لم يجد قبولا للدور الذي أراده لبلاده، من موقع منافسة الدور المصري الذي يمسك بالملفات الفلسطينية. عدد من منظمات المجتمع المدني، والعدد الأكبر من الفصائل قاطعت اللقاءات مع السفير العمادي، انطلاقا من إدراك سياسي لطبيعة وأبعاد هذا الدور المرتبط بإرادة أمريكية أساسا.

ربما فوجئ العمادي، حين قامة بزيارة لموقع ملكة شرق مدينة غزة، لمراقبة مدى انضباط مسيرة العودة للشروط الإسرائيلية حيث قام العديد من الشبان بإلقاء الحجارة عليه وعلى سيارته المصفحة. ما يشكل امتدادا شعبيا لموقف الفصائل ومنظمات المجتمع المدني التي عبرت عن موقف رافض للدور القطري. سلوك الشباب الذين ألقوا الحجارة على العمادي وسيارته، اتسم بالعفوية الأمر الذي يشير إلى عمق الوعي الشعبي لما يدور حول القضية الفلسطينية وبخصوصها. الناس في غزة، يحتاجون إلى المساعدة، ويحتاجون إلى تخفيف او رفع الحصار، والكل يعرف مدى الضيق الشديد، الذي يعيشونه، لكن ما لم يدركه آخرون كثر، هو أن الناس لا يمكن أن تقايض الحقوق بالأموال، وبإجراءات محدودة لتحسين أوضاعهم المعيشية.

ربما كان على منظمة التحرير والسلطة وحركة فتح، أن تدرك مثل هذا الاستنتاج، بما يؤدي إلى التراجع عن الإجراءات التي يتم اتخاذها وأصابت عشرات آلاف الموظفين العموميين، والجزء الاكبر منهم من حركة فتح. العمادي يعرف موقف المنظمة والسلطة إزاء التعاطي مع ملفات المصالحة والتهدئة، لكنه تجرأ على تجاوز هذا الموقف والذهاب بعيدا، في توسيع دور قطر. من غزة يعلن العمادي عن أنه يسعى لتحقيق نجاح في موضوع الكهرباء عبر الخط الإسرائيلي الناقل المعروف ب 161، وأنه أيضا بصدد متابعة ملف توسيع مساحة الصيد البحري، والممر المائي، أو الميناء.

هذا فضلا عن الإعلانات المتكررة عن بدء عملية تشغيل مؤقت لعشرات آلاف الشباب، بموازاة مشروع التشغيل الذي بدأت بتنفيذه وزارة الأشغال العامة في الحكومة الفلسطينية. مظاهر الانتعاش بدأت تظهر في شوارع غزة وأسواقها، رغم علم الناس بأنها مجرد حقن تخدير مؤقته يمكن أن تختفي آثارها في أي وقت. حراك يوم الجمعة المنصرمة كان أكثر هدوء من الجمعة التي سبقت، سواء من حيث أعداد المشاركين، او أشكال النشاط في المنطقة الحدودية، أو بمقارنة عدد الإصابات قياسا بما سبق.

واضح أن هناك سيطرة على حركة الجمهور، ويثير التساؤل فتح بنك البريد لصرف الرواتب القطرية يومي الجمعة والسبت من الساعة السابعة صباحا حتى العاشرة مساء، ذلك أن هؤلاء يفترض أن يكونوا جزء من الحراك الذي يتوجه يوم الجمعة نحو الحدود. وبدون توقعات كبيرة فإن الخلاف بدء يظهر على السطح بين عديد الفصائل وحركة حماس بشأن أبعاد وطبيعة الدور القطري. هذه الفصائل لا ترفض أي عمل يؤدي إلى تخفيف و رفع الحصار عن الناس لكنها ما تزال تتمسك بضرورة أن يكون الخيار من خلال المصالحة الوطنية، فإذا لم تنجح في ذلك فإن الخلافات ستتسع وتأخذ أشكالا ومظاهر اكثر وضوحا مما قد يعني بداية تفكك الهيئة الوطنية لمسيرات العودة وكسر الحصار.