نابلس - النجاح الإخباري - بقلم: د. ياسر أبو بكر

ليست أخطر المعارك تلك التي نخسر فيها أرضًا فحسب، بل تلك التي نبدأ فيها بفقدان قدرتنا على تفسير ما يجري على هذه الأرض، أو نعتاد واقعًا صُمم أصلًا لكي نرفضه. 

ومن هنا تصبح معركة الوعي جزءًا أصيلًا من معركة التحرر الوطني الفلسطيني، لأن الصراع لم يكن يومًا على الجغرافيا وحدها، بل كان أيضًا على التاريخ والهوية والرواية، وعلى قدرة الفلسطيني على أن يعرف من هو، وماذا يريد، وأي مستقبل يسعى إلى صناعته ؟

نحن نعيش اليوم واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا وخطورة في تاريخ قضيتنا المعاصر. غزة تواجه آثار حرب مدمرة ومأساة إنسانية غير مسبوقة، والضفة الغربية تتعرض لتمدد استيطاني متسارع وعنف متصاعد من المستوطنين ومحاولات متدرجة لفرض وقائع الضم، فيما تخوض القدس معركتها اليومية على الهوية والمكان والرواية. وفي الوقت ذاته يدور صراع سياسي ودبلوماسي كبير على مستقبل القضية الفلسطينية نفسها: هل تبقى قضية شعب تحت الاحتلال يسعى إلى الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، أم يعاد تعريفها بوصفها أزمة إنسانية وأمنية وإدارية تحتاج إلى إدارة أفضل؟ وهنا تحديدًا يصبح الوعي ضرورة وطنية، وليس ترفًا ثقافيًا أو إعلاميًا.

فالاحتلال لا يعمل على تغيير الجغرافيا فقط، وإنما يسعى كذلك إلى إعادة تشكيل إدراك الفلسطيني لواقعه ومستقبله ، إلى تحويل الاحتلال من حالة استثنائية ينبغي إنهاؤها إلى واقع طويل الأمد ينبغي التكيف معه، والاستيطان من مشروع استعماري إحلالي إلى مجرد (خلاف على الأرض)، وغزة من جزء أصيل من الوطن الفلسطيني إلى ملف منفصل، والقدس من قلب القضية إلى مسألة مؤجلة. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لنا ليس فقط أن يفرض الآخر وقائعه على الأرض، بل أن نبدأ نحن باستخدام لغته في تفسير قضيتنا، وأن نتعامل مع نتائج الاحتلال باعتبارها حقائق نهائية لا يمكن تغييرها.

وفي عصر الثورة الرقمية لم يعد التحدي الأساسي هو الوصول إلى المعلومة، فالمعلومة أصبحت متاحة للجميع تقريبًا، بل أصبح السؤال الأهم: من يمنح هذه المعلومة معناها؟ حادثة اعتداء على قرية فلسطينية قد تقدم باعتبارها حدثًا أمنيًا منفصلًا، وقد تُقرأ في سياقها الحقيقي بوصفها جزءًا من سياسة أوسع للضغط والتهجير وإعادة تشكيل الجغرافيا. والتوسع الاستيطاني، وعنف المستوطنين، ومصادرة الأراضي، وهدم المنازل، ومحاولات تهجير التجمعات الفلسطينية ليست أحداثًا منفصلة، بل حلقات مترابطة في مشهد واحد. ومهمة الوعي الوطني أن يجمع هذه الحلقات، وأن يساعد المواطن على رؤية الصورة كاملة، وأن يدرك أن ما يحدث في الأغوار مرتبط بما يجري في القدس، وأن ما يحدث في قرى الضفة ليس منفصلًا عن مستقبل غزة، لأن جوهر المعركة واحد: الحفاظ على وحدة الشعب والأرض والقضية والحقوق الوطنية.

لكن حماية الوعي الوطني لا تعني الدعاية، ولا تتحقق بإخفاء الأخطاء أو تجميل الواقع أو مطالبة المواطن بأن يصدق ما لا يراه. فالمواطن الفلسطيني اليوم أكثر تعليمًا واتصالًا بالعالم، ويحمل في هاتفه عشرات المصادر والروايات والصور في اللحظة ذاتها، ولذلك لا يمكن بناء ثقته بالتلقين، وإنما بالمصداقية. والوعي الوطني الحقيقي هو الذي يمتلك الشجاعة لقول الحقيقة كاملة: هناك احتلال واستيطان ومحاولات لفرض الضم والتهجير، وهناك في المقابل انقسام فلسطيني أضر بالمشروع الوطني، ومؤسسات تحتاج إلى تطوير وإصلاح، وخطاب سياسي يحتاج إلى التجدد، وفجوة ثقة لا يجوز إنكارها. فالوعي الذي يخاف من النقد وعي هش، أما الوعي القوي فهو الذي يستطيع التمييز بين نقد الأداء وبين هدم المشروع الوطني، وبين الاختلاف مع مؤسسة أو مسؤول أو حزب وبين فقدان البوصلة الوطنية.

وهذه المسألة تصبح أكثر أهمية عندما نتحدث عن الأجيال الجديدة. فهناك جيل فلسطيني كامل نشأ في ظل الانقسام والحصار والحروب والحواجز والاستيطان ووسائل التواصل الاجتماعي، ولم يعش كثير من أبنائه المراحل التي تشكلت فيها المفاهيم السياسية والوطنية التي ما زلنا نستخدمها اليوم. ولا يكفي أن نقول لهذا الجيل: حافظ على المشروع الوطني. من حقه أن يسألنا: ما هو هذا المشروع اليوم؟ ولماذا ينبغي أن أؤمن به؟ وما مكاني فيه؟ والإجابة لا ينبغي أن تكون مجموعة من الشعارات المحفوظة، وإنما رؤية واضحة وقابلة للفهم والمشاركة.

المشروع الوطني الفلسطيني في جوهره هو أن يبقى الفلسطيني شعبًا واحدًا صاحب قضية واحدة وحق أصيل في الحرية وتقرير المصير ، وأن تبقى غزة والضفة والقدس أجزاء وطن واحد لا تقبل الفصل، وأن نحمي الهوية الوطنية الفلسطينية من التفكيك ، وأن نبني مؤسسات وطنية ديمقراطية وقادرة على تمثيل شعبها واستعادة ثقته ، وأن تبقى منظمة التحرير الفلسطينية الإطار الوطني الجامع بعد تطويرها وتعزيز قدرتها التمثيلية ، وأن يتحول التأييد الدولي المتزايد للحقوق الفلسطينية ولدولة فلسطين من مواقف سياسية وأخلاقية إلى مسار فعلي لإنهاء الاحتلال وتجسيد الاستقلال الوطني. فالقرارات والمواقف الدولية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع وحدها حماية المشروع الوطني إذا لم يحمله الفلسطينيون أنفسهم ويؤمنوا بجدواه ومستقبله.

ولهذا لسنا بحاجة إلى مواطن يحفظ الخطاب الوطني بقدر حاجتنا إلى مواطن يفهمه ويناقشه ويطوره ويدافع عنه عن قناعة. ومن هنا تتعاظم مسؤولية هيئة التوجيه الوطني والمعنوي والمؤسسات الإعلامية والتعليمية والثقافية والجامعات والمثقفين في بناء منظومة وطنية للوعي، لا تقوم على خطاب أحادي الاتجاه، وإنما على التفكير النقدي إلى جانب الانتماء، وعلى مواجهة التضليل بالمعلومة الموثقة، وعلى تقديم الرواية الفلسطينية بلغة العصر وبلغات العالم، وعلى حفظ الذاكرة الوطنية وربطها بالمستقبل، وعلى استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية في خدمة الرواية والهوية الفلسطينية بدل ترك هذه المساحات للآخرين.

فالوعي ليس منشورًا على منصة، ولا محاضرة عابرة، ولا شعارًا على جدار. الوعي هو قدرة المجتمع على أن يعرف أين يقف،