النجاح الإخباري - د. ياسر أبو بكر
لم تعد المشكلة في عدد الساعات التي يقضيها أبناؤنا أمام الهواتف فقط، بل في نوع الإنسان الذي يتشكل خلال تلك الساعات. فالهاتف لم يعد مجرد أداة للاتصال أو الترفيه، وإنما أصبح نافذة يتعلم الطفل من خلالها اللغة والسلوك والقيم، ويكوّن عبرها صورته عن النجاح والبطولة والوطن والعالم.
في الماضي، كان الطفل يتعلم أساسا من أسرته ومدرسته ومجتمعه. كانت القدوة إنسانًا يراه ويعرفه ويحاوره: أبا أو أما، معلما، مناضلًا، كاتبا أو شخصية عامة. أما اليوم، فقد أصبح المؤثر الرقمي ينافس الأب، والمقطع القصير ينافس المعلم، والخوارزمية تنافس المدرسة في تحديد ما يستحق الانتباه.
وهنا لا نتحدث عن معركة ضد التكنولوجيا، بل عن معركة على التربية.
فالطفل لا يتعلم مما نقوله له فقط، وإنما مما يراه متجسدًا أمامه. وإذا حدث تناقض بين الخطاب والقدوة، انتصرت القدوة دائما. لا يكفي أن نطلب من أبنائنا القراءة ونحن لا نقرأ، أو أن نحذرهم من الهاتف بينما لا نرفع أعيننا عن شاشاتنا، أو أن نتحدث أمامهم عن الانتماء والمسؤولية بينما يرون في السلوك العام أن الشهرة والمصلحة الشخصية أهم من المعرفة وخدمة المجتمع.
إن أزمة القدوة تفتح المجال للشاشة كي تقدم نماذجها البديلة. وهذه النماذج لا يجري اختيارها لأنها الأفضل تربويًا أو أخلاقيا، بل لأنها الأقدر على إثارة الانتباه وتحقيق المشاهدات. وبمرور الوقت، قد يصبح الأعلى صوتا أكثر تأثيرًا من الأكثر معرفة، والأكثر شهرة أهم من الأكثر قيمة.
لهذا فإن العلاقة بين الهاتف والتربية لا تُفهم من خلال مفهوم الاستخدام الآمن وحده، بل من خلال ما يمكن تسميته بـ الأمن التربوي.
والأمن التربوي يعني حماية قدرة المجتمع على تربية أجياله وفق منظومة من القيم والمعرفة والهوية، دون عزلها عن العصر أو إغلاقها أمام العالم. وهو لا يتحقق بمنع التكنولوجيا، بل ببناء عقل قادر على استخدامها دون أن يصبح تابعًا لها.
في الواقع الفلسطيني، تكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة. فنحن لا نعيش في سياق طبيعي تتنافس فيه مصادر ثقافية مختلفة فحسب، بل في سياق صراع على الرواية والهوية والذاكرة. الاحتلال لا يستهدف الأرض وحدها ، بل يسعى كذلك إلى إضعاف علاقة الفلسطيني بتاريخه وقضيته، وإعادة تشكيل صورته عن ذاته ومستقبله.
وقد يجد الطفل الفلسطيني نفسه أمام تدفق هائل من المحتوى الذي يقدم قضيته مجتزأة، أو يشوه تاريخ شعبه، أو يحول المأساة الوطنية إلى صور عابرة بين مئات المقاطع. فإذا لم يكن لديه أساس معرفي ووطني متين، فقد يعرف ما يحدث في العالم، لكنه لا يعرف تاريخه، وقد يتقن لغة المنصات، لكنه يعجز عن التعبير عن قضيته بلغته، وقد يتفاعل مع الأحداث لحظيا دون أن يمتلك وعيًا يربط بينها ويفسرها.
الانتماء الوطني هنا ليس شعارًا سياسيا يُضاف إلى المناهج، بل هو جزء من الأمن النفسي والتربوي للطفل. فالإنسان الذي يعرف من هو، وينتمي إلى ثقافته وتاريخه، يكون أكثر قدرة على الانفتاح على العالم دون أن يذوب فيه. أما الانفتاح بلا جذور، فقد يتحول إلى اغتراب وفقدان للبوصلة.
ومن هنا، لا يجوز أن يقتصر التعليم على تزويد الطالب بالمعلومات، بل يجب أن يساعده على فهمها ونقدها وربطها بواقعه. فالتعلم الحقيقي لا يحدث حين يحفظ الطالب الإجابة، وإنما حين يستطيع طرح السؤال، والتحقق من المصدر، والتمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين الانتشار والقيمة.
إن المدرسة الفلسطينية مطالبة اليوم بأن تعلم أبناءنا كيف تعمل الخوارزميات، ولماذا يظهر لهم محتوى معين، وكيف تُستخدم الصور والعناوين والعواطف للتأثير في مواقفهم. لكنها مطالبة أيضًا بأن تحافظ على حضور التاريخ والثقافة واللغة والرواية الوطنية، لا من خلال التلقين، بل من خلال الحوار والبحث والقصص الحية والزيارات والمشروعات التي تجعل الانتماء تجربة معاشة.
كما أن المعلم لا يستطيع أداء هذا الدور إذا بقي ناقلًا للمعلومات فقط. إنه بحاجة إلى أن يكون قدوة في الحوار والانفتاح والمسؤولية، وأن يساعد الطالب على استخدام الهاتف في البحث والإنتاج والتوثيق، لا في المشاهدة والاستهلاك وحدهما.
أما الأسرة، فلا تستطيع حماية أبنائها بالاكتفاء بالمراقبة أو المنع. الحماية الحقيقية تبدأ عندما يستعيد البيت دوره بوصفه مساحة للحوار. بدل أن نسأل الطفل فقط: كم ساعة استخدمت الهاتف؟ علينا أن نسأله: ماذا شاهدت؟ ماذا تعلمت؟ هل تعتقد أن ما رأيته صحيح؟ وكيف يمكن التأكد منه؟
بهذه الأسئلة ننتقل من ضبط الجهاز إلى بناء العقل.
إن أبناءنا سيعيشون في عالم رقمي أكثر اتساعًا وتعقيدًا، ولن نستطيع أن نغلق أبوابه أمامهم. لكننا نستطيع أن نزودهم بالقدوة والمعرفة والانتماء، وأن نمنحهم القدرة على التمييز والاختيار.
فالأمن التربوي لا يعني أن نخاف من العالم، بل أن ندخله ونحن نعرف من نحن. ولا يعني أن نحرم الطفل من التكنولوجيا، بل أن نمنعه من أن يتحول إلى مستخدم بلا إرادة، أو متلقٍ بلا ذاكرة، أو فرد بلا انتماء.
حين تغيب القدوة، وتتراجع الأسرة، وتكتفي المدرسة بالتلقين، لن تبقى المساحة فارغة ، ستملؤها الشاشة والخوارزمية والمؤثرون.
لذلك، فإن السؤال لم يعد: هل نسمح لأبنائنا باستخدام الهاتف؟
السؤال الأهم هو: هل منحناهم من القدوة والتعليم والانتماء ما يجعلهم قادرين على استخدامه دون أن يخسروا أنفسهم ووطنهم داخله؟