غزة - خاص - النجاح - لم يشعر الغزيين للسنة الرابعة عشر على التوالي بطعم الأعياد التي شرعها الله سبحانه وتعالى، ففي العام 2007 شهد القطاع انقساما سياسيا وجغرافيا، بعد سيطرة حماس على القطاع بقوة السلاح، وفي العام 2008 - 2009 شهدت غزة عدوانا من الاحتلال الاسرائيلي، دمر آلاف البيوت وارتقى خلاله مئات الشهداء وشرد آلاف العائلات، ولم تستفيق غزة من أزماتها، حتى تعرض لعدوان اسرائيلي غاشم في العام 2012، ودخلت في حرب مفتوحة مع الاحتلال لمدة 51 يوما في العام 2014 جمرت كل بنيتها الاقتصادية والصحية والتحتية، إضافة إلى آثار الانقسام البغيض الذي آثرت جوانبه على كل مناحي الحياة، إلى أن دخل العالم في أزمة اقتصادية بسبب الحروب والصراعات، والهجرة من البلدان النامية والنائية إلى أوروبا، وبالتالي فاقم من الأزمة الاقتصادية العالمية، وجاءت أزمة كورونا واغلاق البلدان لتكمل على ما تبقى من أدنى مقومات الحياة لدى البشر في العالم والتي بدورها أثرت بشكل اوسع على قطاع غزة، نتيجة توجيه المساعدات إلى المناطق الموبوءة بالفيروس.

"لم نشعر بالعيد منذ الانقسام الفلسطيني الداخلي عام 2007، وتحديدا عندما بدأت أزمة تأخير الرواتب"، بهذه الكلمات عبر المواطن سعد وادي عن شعوره بقدوم عيد الأضحى المبارك، وأوضح لـ"النجاح الإخباري" أنه منذ لحظة الانقسام وبدأنا نتهيأ كموظفين للأسوأ، وما توقعناه حدث بالفعل إلى أن أصبحنا متسولين، وأضاف، قبل الراتب بيومين نفترش الأرض بالقرب من صرافات البنوك لنقوم بسحب رواتبا قبل أن يلحق بنا خصم البنوك والمؤسسات التي توجهنا للاقتراض منها سواء من أجل البناء أو اقتنائ سيارة أو لتلبية طلبات الحياة.

يوافقه في الرأي، حمادة بريم الذي أوضح لـ"النجاح الاخباري" أنه كان معتادا على التضحية في كل عام، واستمر في ذلك حتى عام 2014 عندما بدأت الازمات تتفاقم وخصوصا بعد عدوان 2014 على قطاع غزة، وتراجع الحياة المعيشية بعد تدمير عدد كبير من المصانع والمنشآت الصناعية، والورش، واغلاق الانفاق وارتفاع عدد البطالة في صفوف الشعب الفلسطيني، والخصومات التي تلقيناها كموظفين بدل المواصلات والعلاوات.

وأضاف، منذ ذلك الوقت لم نشعر بطعم العيد، بل نسارع لتلبية الحاجيات الاساسية، وتوفير الاكل والشرب للأسرة، "العيشة كفاف".

في شارع البحر الرئيسي بمدينة خانيونس والذي يعد شارعا تجاريا، يمتلك محمد المصري بسطة للملابس النسائية والأطفال، منذ العام 2012، أوضح لـ"النجاح الاخباري" أن موسم الأعياد والمدارس يعتبر بالنسبة للتجار هو الأهم على مدار العام، ولكن منذ قرابة الخمسة اعوام، لم يعدوا الموسم كله أن يحقق ما كنا نبيعه في أول أيام الرواتب بداية عندما قمت بانشاء البسطة.

وأشار إلى أن أزمة كورونا حلت علينا هذا العام، لتلقي بظلالها، رغم أن الجميع يؤكد خلو القطاع من بؤر التفشي، موضحا أن الأشهر الاولى لتفشي الجائحة وتحديدا في مارس وابريل الماضيين، شهدنا خلو الشوارع، وملاحقة من قبل الشرطة والبلدية، طبيقا للاجراءات التي اتبعت في ذلك الوقت لمنع تفشي الفيروس، وبالتالي أثرت علينا كتجار ونمتلك بضاعة مديونة لأننا قمنا بصرف ما نمتلك في الاشهر العصيبة، وتجاوزنا بذلك رأس المال، وما أبيعه حاليا هو مال تجار، وأخشى الجلوس في البيت لألاحق بالحبس، وأضاف، نأمل أن يتحسن عذا الموسم الذي يضم العيد والمدارس ونستطيع أن نوفر قوت أسرنا.

الأزمة ألقت بظلالها حتى على سوق المواشي ليس هذا العام، بل منذ قرابة السبعة أعوام، هذا ما صرح به تاجر المواشي ابراهيم أبو الفيتة لـ"النجاح الاخباري"، وأشار إلى أنه في الاعوام الماضية ما قبل حرب عام 2014، كان يتجهز وشركائه للموسم بقرابة المائة رأس من الأغنام والخراف التي تنطبق عليها شروط الأضحية، وأشار إلى أن الأعوام الماضية بدأت الأمر تنحصر شيئا فشيئا، حتى أصبحت لا أبيع قرابة الـ30 رأسا من الاضاحي في الموسم.

وكشف أن هذا الموسم جهز له فقط قرابة الـ25 رأسا من الماشية، وبقرة واحدة، وذلك بناء على توصية من زبائنه عشرة من الأغنام تم بيعها بنظام التقسيط "50" دينارا كل شهر.

وأوضح أبو الفيتة أن الازمات الاقتصادية وتدهور الوضع المعيشي ساهما في عزوف المواطنين عن الأضاحي وخصوصا هذا العام الذي لازال يشهد أزمات متلاحقة، خصوصا في الرواتب.

ونبه إلى أن الأعوام ما قبل الانقسام كان موسم رمضان يشهد اقبالا على المواشي أكثر من العيد، بسبب توفر الأموال وتطبيق الناس لسنة العقيقة لأولادهم، وأيضا الذبح عن روح الأموات واطعام الفقراء.

 وأوضح أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر بغزة، معين رجب أن حالة الركود قائمة في أسواق قطاع غزة منذ سنوات وتزداد يوماً بعد يوم، منوهاً إلى أن لدى القطاع مشكلة متراكمة وتعمقت مرورها مع مرور الأيام؛ بسبب عدم اتباع سياسات ملائمة في التعامل مع المشاكل المرتبطة.

وبين لـ"النجاح الاخباري أن قطاع غزة يشهد نسبة بطالة عالية لا يوجد لها نظير في ببلدان العالم بالإضافة إلى الفقر الشديد، والحصار لا يزال قائماً وكل هذه الاسباب تؤدي إلى حالة الركود.

وقال: "ما تتعرض له السلطة من أزمة مالية جراء عدم تحويل أموال المقاصة انعكس بشكل مباشر على قطاع غزة خاصة على المواطنين الذين لا يتقاضون رواتبهم كاملة"، مشيراً إلى أنه ليس هناك أفق وليس هناك وضوح او رؤية ليتم الحديث عن انفراجة قريبة.

ويرى بان الوضع العام والمسيطر في غزة حالة الركود الشديدة بسبب قلة ما يتوفر لدى المواطن من دخل أو سيولة نقدية، "حتى الدخل إن تحقق فهو متدني". 

ويعيش قرابة الـ75% من المواطنين في قطاع غزة تحت خط الفقر وفق تقرير التنمية الاجتماعية الأخير عن الحالة المعيشية في القطاع، وذلك بسبب اعتماد القطاع الكلي على الرواتب والمساعدات الخارجية، وايضا حصار الاحتلال الخانق للقطاع منذ منتصف العام 2006.