اسلام الخالدي - النجاح - قد يعتريك شعور الدهشة والاستغراب لمجرد مشاهدتك فتاة تدير أمور ورشة مختصة بأعمال النجارة وصناعة التحف الخشبية "الأنتيكا"، من المنصات الخشبية المتوفرة في قطاع غزَّة بكثرة، لتكون آية كشكو الريادية الأولى التي خرجت عن إطار المجتمع، في خطوة منها لتحدي كافة التبعيات التي كانت من الممكن أن تقف عائقاً أمام مجالها وطموحها، والتي بنتها على أساس المنفعة العامَّة للمجتمع والبيئة.

بمطرقة ومنشار، وأدوات مخصصة لأعمال النجارة وصناعة الأثاث، تقف كشكو على ناصية الحلم ،وتبدأ مشوارها في قيادة ورشة لصناعة التحف الخشبية "الأنتيكا"، متخطيَّة كافة الحواجز والمعيقات، دون الالتفات لفكرة اقتحامها أعمال تخصّ فئة الذكور فقط، في ظلِّ تساؤلات المحيطين واستغرابهم، من فتاة تدير ورشة نجارة في غزَّة؟

في كلّ مساء تتوجه المهندسة آية إلى ورشتها أسفل بيتهم في حي الزيتون بمدينة غزَّة، وتبدأ بتجميع أدواتها لتنفيذ الهيكل التصميمي المبدئي للطلبيات، فتمسك قلم التخطيط وتبدأ برسم الأشكال الهندسية، ومن ثمَّ تصنع هيكلًا أوَّليًّا لكلّ تحفة خشبية، والعمل على قصها بالمنشار الكهربائي وبردها وصولاً للمرحلة النهائية، وتحف خشبية تضاهي المصنعة في ورش كبرى.

فتاة ريادية

آية كشكو (26عامًا) خريجة هندسة معمارية من الجامعة الإسلامية، كان لها تجربة في العمل الأكاديمي داخل الحرم الجامعي لفترة محدودة، ومن ثمَّ عملت كمصممة في مصنع لصناعة وتنفيذ الأثاث الخشبي بالمنطقة الصناعية، حيث خاضت عدَّة تجارب دفعتها لتبني مشروعها الأوَّل والتي حقَّقت فيه منفعة متبادلة، وترى في نفسها شخصية قيادية استطاعت أن تكسر نظرة المجتمع تجاه المرأة، وأثبتت أنَّ النساء عامل قوي ومكمّل لا يمكن الاستغناء عنه.

وفي الحديث مع المهندسة آية كشكو، لتقول عن فكرة تأسيسها لورشة النجارة الخاصة بها لـ "النجاح الإخباري": "مع وفرة ودخول كميات كبيرة من المنصات الخشبية إلى قطاع غزَّة، والتي هي عبارة عن خشب طبيعي مهمل يمكن إعادة تدويره والاستفادة منه، وكوني مهتمة بالاقتصاد الأخضر وصناعة الأثاث والتحف الخشبية (الأنتيكا)، تزامناً مع غياب وعي المجتمع الغزي في كيفية الاستفادة من هذا الخشب فيما يفيد البيئة والمجتمع، دفعتني الرغبة بتصميم عينات بسيطة كتجربة أولى وكانت النتائج مذهلة، ومن هنا نشأت "الفكرة".

وعن الأسباب تضيف: "هناك عدَّة أمور ومسببات لافتتاح الورشة، على  رأسها أن يكون لي مشروعي الخاص والمستقل، بالإضافة لمصدر دخل ثابت لي ولمن يعمل معي، بالإضافة لتشجيع الاقتصاد الأخضر في غزَّة كونه مهم جداً، إلى جانب مساعدة الكثير من الأسر ذي الدخل المتوسط في تأثيث بيوتهم كون الأثاث المصنع داخل الورشة بجودة عالية وتكلفة تناسب الجميع، بالإضافة إلى المحافظة على البيئة من خلال التخلص من المنصات الخشبية المهملة، بالعمل على إعادة تدويرها والاستفادة منها بدلاً من أن تبقى ملقاة دون فائدة".

أدوات بسيطة

"الأدوات التي أستخدمها في الصناعات اليدوية بورشة النجارة، هي أدوات بسيطة غير متطورة لا تضاهي المستخدمة في الورش الكبرى، كالكمبريصة، والسكوتش، والبرداخ، والبراغي، ومنشار كهربائي، وغيرها من المعدات البسيطة المستخدمة في الصناعات اليدوية، وكان هذا تحدي لنا بإنتاج كميات كبيرة ذي جودة عالية مصنعة بأدوات بسيطة"، هذا ما قالته حول طبيعة الأدوات المستخدمة.

وتشير كشكو، إلى أنَّها منذ عام (2017م) عملت على افتتاح ورشة النجارة، والتي لاقت فيها استحساناً وقبولاً كبيراً من قبل الأهل والأصدقاء، الذين كان لهم بصمة خاصة في تخطي العقبات والتخوفات كافة، التي كانت من الممكن أن تحيل فكرة المشروع وتهمشه جانباً، سواء التخوفات من المهنة بحدّ ذاتها، أو فكرة تقبّل المجتمع لها، مؤكّدة على أنَّها حاولت توصيل رسالة بأن مجتمع غزَّة قادر على الخلق والإبداع من خلال الإيمان بالفكرة أولاً، لا سيما المرأة التي تساند الرجل وتشاطره المسؤولية.

 ولأنَّها أوَّل فتاة تقتحم عالم الرجال والصناعات المخصصة لهم، واجهت عدَّة معيقات ومخاوف منها فكرة تقبل المجتمع وجودها داخل ورشة خاصة بالرجال، وفي التعامل مع الرجال أنفسهم، بالإضافة لتقبل منتجات مصنعة على طريقة إعادة تدوير الاقتصاد الأخضر بما أنَّ مجتمع غزَّة استهلاكي أكثر من أنَّه إنتاجي، لا يعي قيمة هذا الخشب وجودته.

تحديات وصعوبات

وتردف قائلة: "ومن التحديات التي واجهتني حجم الطلبيات لا يتناسب مع إمكانيات وأدوات الورشة البسيطة، ناهيك عن ظروف غزَّة السيئة من كهرباء وعدم توفر بعض الأدوات المستخدمة أحياناً، إلا أنَّنا استطعنا أن نوجد بدائل وتخطينا المعيقات كافة، وبدأنا نتأقلم مع الحجوزات وننجزها بأسرع وقت ممكن بجودة عالية تضاهي المصنعة في ورش كبرى".

وقد حصلت كشكو على عدَّة إنجازات وجوائز محليَّة وعالميَّة، منها المشاركة بمسابقة الحلول الخضراء حصلت فيها على المرتبة الأولى بصناعة الأثاث، ونالت جائزة أفضل امرأة ريادية على مستوى فلسطين من قبل القنصلية البلجيكية، إلى جانب جائزة مؤسسة التعاون والشباب الريادي من الإغاثة الإسلامية، بالإضافة إلى أنَّها شاركت بمؤتمر "ستارتر" بإسطنبول للتشبيك والتطلع والتطوير، هذا ما أضافته.

وتطمح كشكو، إلى أن تكون امرأة عالمية تشارك في الكثير من المحافل الدولية كممثلة لدولة فلسطين في عالم الريادة، بالإضافة لتكوين علاقات بالخارج من خلال توقيع والاتفاق مع شركات كبرى وأن يمتد عملها للخارج، وتوسيع الورشة الخاصة بها مع زيادة حجم العاملين، بالإضافة للمشاركة في مسابقات عمل دوليّة.

لا يمكن للأحلام أن تتعثر، طالما وجد الهدف منذ بداية الطريق، وفق عمل مدروس ونمط مسير توج بالإبداع والتمييز، في ظلِّ معيقات تهدم الفكرة وتطمس التقدَّم نحو طريق النجاح.