هاني ابو رزق - النجاح - مع ساعات الفجر الأولى يخرج المواطن أبو محمد الحواجري من منزله في مخيم جباليا متجهاً صوب المقبرة الشرقية، سيراً على الأقدام، بهدف العمل في تنظيف القبور من الأعشاب ورشها بالمياه، بعد أن فقد عمله داخل فلسطين المحتلة، ولم يجد عملاً في قطاع غزة، ليعود بقليل من المال لعائلته.

يقول الحواجري 63 عاماً، وهو يمسح العرق الذي ينصب من على جبينه :" إن مهنة رش المياه وتنظيف القبور هي من المهن القديمة الجديدة، فقديما كان يوجد داخل المقبرة رجل أو اثنين يعملون بها, أما الآن فهم بالعشرات. وأضاف، أن الفترة الحالية شهدت إقبالاً كبيراً من الشباب والأطفال للعمل بها نظراً لقلة فرص العمل وتردي الأوضاع الاقتصادية.

وأشار إلى أن الإقبال على زيارة القبور يزداد في الأعياد، وفي شهر رمضان, وفي موعد وفاة المتوفي، مبينا أنه وفي بعض الأحيان نقوم بالوقوف لساعات وانتظار الزائرين حتى يقدموا عليهم لمواساتهم وتقديم الخدمة لهم.

ولم تعد القبور المكتظة في غزة لزيارة أضرحة الموتى والشهداء فقط، فبداخلها قد يجد بعض العاطلين عن العمل ضالتهم لتكون بذلك مصدر رزق لهم، وهي مهنة "رش القبور بالمياه وتنظيفها" من الأعشاب.

هكذا أصبح عدد من الشبان والكبار أو حتى الأطفال يتجهون لتلك المهنة بداخل المقابر، ويحاولون تقسيم أنفسهم لكي لا يتعدى بعضهم على منطقة الأخر بداخل المقابر.

إذ تعتبر هذه المهنة من المهن الجديدة التي أفرزتها سوء الظروف الاقتصادية من أجل توفير لقمة العيش، رغم أن بعضهم يعتبرها مهنة صعبة من خلال مشاهدة المشاهد المؤلمة لكنهم يعتبرون أن واقعهم أكثر ألماً، وتعتبر مقابر مدينة غزة الأكثر اكتظاظا من حيث أعداد القبور الملتصقة ببعضها البعض. 

"شايف  أبو الأزرق اللي تحت الشجرة بدي أروح أرش القبر اللي جاي عنده شكله معاه مصاري خلينا نترزق، خلص وأنا بروح عند الشب اللي صف الجيب قبل شوي" حديث دار بين الصديقين "سامي وخليل" بعد ساعات من الانتظار داخل المقبرة الشرقية شرق حي الشجاعية بمدينة غزة.

بين تلك القبور المتلاصقة بعضها البعض يتنقل سامي وخليل، فما أن يشاهدا زائرا آتيا إلى المقبرة، يهمان مسرعان نحوهما حاملان زجاجات المياه من أجل ري القبر مقابل شواكل، فمرارة لقمة العيش دفعتهما إلى الاستمرار في مهنة ليست ككل المهن لترسم تلك المهنة ملامحها القاسية على قسمات وجهيهما.

أمسك سامي"قنينة" المياه واتجه صوب القبر ليقوم بري الشجر الذي يوجد حوله والمسح على رخام القبر, ليحصل بذلك على أجر مادي بسيط من الزائر. الصديقان العشرينيان صالا وجالا داخل الأسواق يبحثان هنا وهناك عن عمل يقيهما شظف العيش من أجل العيش بكرامة لكنهما لم يجدا ما يصبوا إليه لينتهي بهما المطاف بين قبور الموتى.

الحقوقي بالهيئة المستقلة لحقوق الانسان بهجت الحلو، يقول :" الواقع الاستثنائي داخل قطاع غزة أفرز مجموعة من الظواهر التي لم تكن موجود سابقا، ومنها العمل في تنظيف القبور ورش المياه، فإن ما دفع هؤلاء الشباب إلى العمل في هذه المهنة هو عدم توفر فرص عمل التي تمكنهم من الحياة بشكل كريم.

وتابع الحلو قائلا:" هذه الظاهرة تشير إلى تقاعس السلطات والمؤسسات الرسمية والتي من المفروض أن تعمل على توفير فرص عمل لهم, فيجب عدم التذرع بعدم نقص وشح فرص العمل، مشيرا إلى أن العمل في هذه المهن هو انتهاك لحقوق الإنسان ومنها الحق في مستوى معيشي مناسب والحق في تكوين أسرة.

ومن جانبه يقول الخبير الاقتصادي الدكتور ماهر الطباع "لمراسل النجاح ":" أن اتجاه الشباب إلى العمل في أي مهنة يعتبر شيئا نافعا لهم من أجل توفير احتياجاتهم، فإن الأوضاع الاقتصادية الكارثية التي يمر بها قطاع غزة في الفترة الحالية، أدت إلى ارتفاع نسبة البطالة وقلة فرص العمل, وارتفاع عدد العاطلين عن العمل، فالكثير من العاطلين عملوا على إيجاد مهن ومنها تنظيف ورش القبور بالمياه.

ونوه الطباع أنه و بحسب مركز الإحصاء الفلسطيني فقد ارتفعت نسبة البطالة إلى43.6% ، فيما بلغ عدد العاطلين عن العمل إلى 220 ألف عاطل بقطاع غزة، حيث تعتبر نسبة البطالة في غزة الأعلى عالميا.