عدلي أبو طه - النجاح -  يواجه الأطفال المصابين بمرض التوحد وذويهم في قطاع غزة، حالة من الإهمال والتهميشِ التام، لعدم وجود مؤسسات أو مراكز حكومية خاصة تقدم لهم الخدمات المناسبة لإعادة تأهيلهم.

ولا تتوقف على الإهمال فقط؛ بل ضعف التشخيص الطبي وعدم الاكتشاف المبكر للمرض أيضاً كان سبباً هاماً في تفشي حالات الإصابة به، وتزداد معاناة تلك الشريحة من المجتمع، في ظل غياب الوعي لدى الأهالي وعدم معرفتهم بماهية المرض في المراحل العمرية الأولى للطفل، وكيفية التعامل معه، عدا عن إنكارهم للمرض نفسه نتيجة للعادات والتقاليد وما يسمى بـ"وصمة العار" كما يعبر عنه الأهالي.

ويعرّف الأخصائيون مرض التوحد بأنه نوع من الاضطرابات التطويرية (الإنمائية)، الذي يظهر خلال السنوات الثلاثة الأولى من عمر الطفل، حيث ينتج هذا الاضطراب عن خلل في الجهاز العصبي، يؤثر بدوره على وظائف المخ، وبالتالي يؤثر على مختلف نواحي النمو.

حالات تحتاج الرعاية

وقالت أم أحمد وعلامات الحزن غطَّت تعابير وجهها، "تم تشخيص ابني في الرابعة من عمره من قبل المختصين وأجمعوا أنه يعاني من مرض التوحد، حيث كان قبل عامين دائم الجلوس أمام شاشة التلفاز لساعات طويلة، فبدأت ألاحظ عليه تصرفات غير طبيعية كالصراخ بشكل دائم، والبكاء، والضحك أيضاً في بعض الأوقات ولا أعرف ماذا يريد أو كيف أتعامل معه".

وأضافت خلال حديثها لمراسل النجاح الإخباري، "يحتاج طفلي إلى رعاية يومية، إضافة إلى نظام غذائي خاص من فيتامينات ومكملات غذائية أخرى، والتحليلات الدورية، عدا عن إعادة التأهيل في مؤسسة خاصة، وهذا ما لا نستطيع توفيره له دوماً؛ لتكلفته الباهظة في ظل الوضع الاقتصادي الحالي الصعب".

وتساءلت أم أحمد، عن دور المؤسسات الحكومية في العناية بهذه الفئة من المرضى، مطالبةً بإنشاء مراكز حكومية تختص بتقديم الرعاية اللازمة، ومساعدة المريض على الاندماج مع الآخرين، وتجاوز العديد من الصعوبات في الحياة الاجتماعية.

لا تختلف معاناة أم أحمد، عن والدة الطفلة "هديل" البالغة من العمر(7 أعوام)، التي فضلت عدم ذكر اسمها الحقيقي، أو التقاط صور لها ولصغيرتها، خوفًا من نظرة المجتمع السلبية.

وأكدت على أن طفلتها تمتاز بمهارات وموهبة خاصة بالحفظ والتعلم، لكنها تعاني من أعراض مرض التوحد، مشيرة إلى أن ابنتها تعاني من الانطواء وعدم الاندماج مع الأطفال لذلك تواجه الكثير من المعيقات والصعوبات في حياتها مقارنة بباقي الأطفال من سنها.

إهمال وأرقام غائبة

بدورها، قالت مديرة نادي التوحد المجتمعي بمحافظة رفح، الأخصائية النفسية مروى أبو النور، إن فكرة انشاء النادي جاءت بعد تقديم مبادرة عبارة عن دروس توعوية حول مرض التوحد وكيفية التعامل معه لإحدى الجمعيات بالمحافظة، ولاقت المبادرة صدى وتجاوب من الأهالي مطالبين بإنشاء مركز يهتم بالأطفال المصابين بالتوحد, في ظل غياب الرعاية من قبل المؤسسات الحكومية، وقلة الخدمات التأهيلية المقدمة لهؤلاء المرضى على مستوى قطاع غزة، مما ترتب عليه قلة الوعي والإدراك المجتمعي تجاه الأطفال المصابين بهذا المرض على كافة الجوانب سواء تقبلهم في المجتمع أو تلبية حقوقهم.

وأضافت، "النادي تأسس حديثًاً، وهو الأول في جنوب القطاع، وبدأنا بتسجيل حالات لأطفال مصابين, حيث نسعى لاستيعاب الأعداد المسجلة خلال الفترة القادمة، في ظل ضعف الإمكانيات وعدم تلقي الدعم من أي جهة حكومية كانت أو دولية.

وأوضحت أبو النور، أن النادي يمتلك مختصين مؤهلين لتقديم التوعية المجتمعية والصحية، وبالتالي يتم تقديم خدمات من شأنها إعادة تأهيل الأطفال المصابين بالتوحد بشكل فعّال. 

وتابعت أبو النور، "وفقاً للتقديرات، فإن نسبة إصابة الأطفال بمرض التوحد، طفل لكل 200 مولود جديد، وبحسب إحصاءات وزارة  الداخلية بغزة، فإن عدد المواليد خلال السنوات العشرة الماضية، بلغ نصف مليون، لذا يمكن تقدير عدد المصابين بالتوحد نحو 5000 إلى 8000 طفل وطفلة على مستوى قطاع غزة".

وبيّنت أن الإحصائيات العالمية تشير إلى أن نسبة حدوث المرض لدى الذكور أعلى بـ 4 مرات منه لدى الإناث، وما زال العلماء حتى الآن لا يعرفون السبب وراء هذا المرض.

وأوصت الأخصائية النفسية، بضرورة إنشاء قاعدة بيانات تحتفظ بأرقام دقيقة لعدد المصابين بالمرض، وإعداد كوادر مهنية وتزويدها بالتقنيات العالية في التعامل مع الأطفال المصابين، والاهتمام بتطوير مهاراتهم ومساعداتهم في التكيف مع المجتمع.

ويصادف الثاني من أبريل من كل عام، "اليوم العالمي للتوحد" الذي أطلقته الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية عام 2007م، وهو أول يوم عالمي يخصص لمرض التوحد الذي يهدف إلى التعريف بالمرض والتحذير منه، كما يراه البعض بأنه ثمرة علاج لهذا المرض.