النجاح الإخباري - شادي زهد- عضو مجلس بلدية سلفيت
لم تصدر الدعوة للانتخابات التشريعية في ظروف طبيعية، بل في ظروف غاية في التعقيد، فمن حيث المبدأ لا خلاف على الانتخابات، فهي حق دستوري واستحقاق وطني تعطّل لعقدين من الزمن، وهذا أضعف ثقة المواطن بالمؤسسات السياسية، ما أدى إلى تآكل شرعية هذه المؤسسات، وعمّق حالة الانقسام، وأدخل النظام السياسي الفلسطيني في حالة من الشلل والعجز والجمود السياسي والمؤسسي.
ولذلك، فإن العودة إلى إجراء الانتخابات من جديد يمكن أن تشكل فرصة لإعادة الاعتبار لصندوق الاقتراع باعتباره الوسيلة الأساسية الطبيعية لتجديد الشرعية، ولكن المشكلة ليست في الانتخابات بحد ذاتها، وإنما في البيئة السياسية التي تُجرى فيها، والهدف الذي يُراد الوصول إليه من خلالها.
فلن تكون الانتخابات مجرد عملية تقنية تبدأ بالتسجيل وتنتهي بإعلان النتائج، بل هي تعبير عن توازنات سياسية واجتماعية، وعن قدرة القوى المختلفة على خوض المنافسة في بيئة تضمن الحد الأدنى من العدالة والنزاهة وتكافؤ الفرص.
وبالنظر إلى الانتخابات التشريعية المقبلة، إذا ما تمت، فلن تكون مجرد انتخابات عادية وتقليدية فقط، فالظرف السياسي الفلسطيني الراهن يجعل نتائجها مدخلا لإعادة تشكيل نظام سياسي جديد قد يكون مختلفا تماما عما عايشناه وعرفناه خلال العقود السابقة.
فالمشهد الفلسطيني اليوم يختلف جذريا عن المشهد الذي سبق الانتخابات السابقة عام 2006، فهناك تحولات سياسية كبيرة، وانقسامات داخلية، وتغيير أكثر وضوحا في موازين القوى، مع وضع اقتصادي واجتماعي بالغ الصعوبة والسوء، مع تبدل واضح في المزاج الشعبي، إلى جانب واقع إقليمي ودولي أكثر تعقيدا.
وهذا يعطينا تصورا واضحا بأن تجديد الانتخابات لا يعني بالضرورة توحيد نظرة كل الأطراف تجاهها، فبعض القوى قد تكون الانتخابات فرصة لها لاستعادة شرعيتها وتجديد حضورها الشعبي، وبالنسبة للقوى الأخرى قد تكون وسيلة لإعادة ترتيب مواقع النفوذ داخل النظام السياسي، والبعض الآخر قد يراها فرصة لتغيير قواعد اللعبة السياسية بالكامل.
وهذا قد يجبر الناخب على الابتعاد عن الشعارات السياسية الجديدة ويدفعه إلى البحث عن إجابات لأسئلة قد تكون أكثر تأثيرا وتمس الحياة اليومية، مثل قضايا البطالة والفقر وتراجع مستوى المعيشة، ومستوى الخدمات المتوفرة، إن كانت متاحة أصلا، ومستقبل الشباب، وقدرة المؤسسات السياسية على حماية الحقوق الوطنية، وفي مقدمتها الحرية والاستقلال، وتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار، وغيرها من الأسئلة الكثيرة.
فمع تغير الأولويات لدى قطاعات واسعة من المجتمع، فإن الانتخابات المقبلة قد تكون اختبارا ليس فقط للأحزاب والقوى السياسية، بل لقدرتها على فهم التحولات التي طرأت على المجتمع الفلسطيني.
وبالنظر إلى التحالفات السياسية، والتي قد تشكل نقطة تحول جذرية في مسار هذه الانتخابات، سواء كانت مبنية على قناعات أو على مصالح مشتركة، فهي وسيلة لتوسيع قاعدة التمثيل السياسي وفتح المجال أمام قوى مختلفة للعمل المشترك.
وبالتالي، فإن النتائج الفعلية للانتخابات تبدأ في اليوم التالي، بقدرة الفائز على تحويل البرنامج الانتخابي إلى سياسات وقرارات وممارسات، وفتح الباب أمام إعادة بناء النظام السياسي، وتجديد الطبقة السياسية، وإدخال قوى وشخصيات جديدة، وتعزيز الرقابة والمساءلة.
وبالنظر إلى ما سبق طرحه، ومع الإبقاء على عدة ملفات ساخنة، مثل ملف الانتخابات في القدس وقطاع غزة والانتخابات الرئاسية، ومع ظهور خلافات داخل الحزب الحاكم، وعدم القدرة على تحقيق المصالحة الداخلية لحركة فتح، وحل الخلافات مع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، والتي قد تُبقي الباب مفتوحا للتأجيل أو الإلغاء، طالما أن المؤشرات والاستطلاعات لا تعطي تطمينات للحزب الحاكم بالحصول على أغلبية المقاعد في المجلس التشريعي.