نابلس - النجاح الإخباري -
بقلم شادي زهد

‏لم ندرك يوماً أن نقطة تحوّل جذرية قد تأخذنا نحو المجهول في قضيتنا الوطنية، ولم نستطع تقدير الأمور كما يجب، وهذا ليس عيبا في الحدث بحد ذاته، بقدر ما هو عيب في كيفية استثماره والاستفادة من معطياته ونتائجه بالشكل الأمثل.

‏السابع من أكتوبر، هذا التاريخ الذي سيرسخ في ذاكرتنا كشعب فلسطيني لعصور وحقب طويلة قادمة، لما أحدثه من تحولات جذرية، وما تبعه من تقلبات شملت مختلف ميادين الحياة السياسية والثقافية والديموغرافية على الصعيد المحلي، وكذلك تحولات في المواقف الرسمية والشعبية على الصعيدين الإقليمي والدولي، ولا تزال آثاره وتداعياته مستمرة حتى الآن.

‏فلن يكون السابع من أكتوبر تاريخاً عابراً؛ فمنذ وقوع الحدث، بدأت الساحة الفلسطينية تتقلب وتتلوّن مع بروز العنوان أو اختفائه، وتناوبت التقلبات على مشاعر الملايين بين فرح بما جرى، وحزن على نتائجه وما آلت إليه الأمور.

‏وعلاوة على كل ذلك، ازدادت هموم الشعب، وبدا وكأنه يعيش واقع الاحتلال المرير منذ ذلك التاريخ؛ استباحة لكل شيء، وتوحش غير مسبوق، ودمار طال المدن والقرى والمدارس والمستشفيات والجامعات وأماكن العبادة، وفوق ذلك عمليات القتل الجماعي والأسر والإعدامات والاجتياحات، وعصابات المستوطنين التي تعيث في الأرض فساداً، فتحرق وتسرق وتنهب القرى والبلدات، وتستهدف الوجود الفلسطيني حيثما كان، في محاولة لدفعه إلى الهجرة والاستيلاء على ممتلكاته وقراه وبلداته.

‏ومع غياب الوحدة في القرار الفلسطيني، وتجذّر الانقسام حتى طال الفصيل الواحد، تشكّلت حالة غريبة من التناقض والضعف في المواقف السياسية، وهيمنة مطلقة للقيادة السياسية المتنفذة، إلى جانب حالة التيه التي يعاني منها المواطن الفلسطيني، وهو يرى نفسه يفقد كل شيء، ليس على الصعيد المادي فقط، وإنما أيضاً على صعيد الحالة الوطنية التي أخذت في التردي والانحدار، وما زالت مستمرة في هذا المسار الهابط.

‏ولا يمكن نسبة هذه الحالة إلى فرد أو فريق بعينه، بل ينبغي أن تُسأل عنها كل المكونات الوطنية دون استثناء، بما يشمل الفصائل والاتحادات والأطر الشعبية والنخب الثقافية والأكاديمية، فلم نجد من يحاول التقاط المبادرة لاستعادة الحالة الوطنية الشعبية، بل ارتفعت أصوات البعض التي تدعو إلى تجريم التاريخ وإدانة الضحية، فيما سعى البعض الآخر إلى تكريسه وكأنه بداية للتاريخ، وأنه يجب أن يحفر في ذاكرة الأجيال، ولكل طرف مبرراته.

‏ورغم توالي الأزمات التي يعيشها الشعب الفلسطيني، والحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية الرثة التي تؤسس لمرحلة غاية في الخطورة، بما تحمله من هجرة ورضوخ للأمر الواقع، واستيعاب الاحتلال كأمر واقع، وتدنٍ في الشعور بالأمن والأمان، وتعدٍّ على حريات المواطن.
‏ومع كل ذلك وغيره، لم تجد القيادة المتنفذة في السلطة ومنظمة التحرير سوى الرضوخ للإملاءات الخارجية، بإعلان المرسوم الرئاسي يوم الخميس 9 تموز/يوليو 2026، والذي يقضي بتحديد موعد الانتخابات التشريعية، متجاهلا المكونات الوطنية والاجتماعية والمدنية للساحة الفلسطينية وضرورة الحوار الشامل.

‏كما تجاهل المرسوم الحوارات السابقة، والتي كان آخرها حوار بكين – الصين، والتفاهمات التي صدرت عنه للخروج بصيغة وطنية تضمن وحدة الساحة الفلسطينية والتجديد المأمول في القيادة على المستويين الرئاسي والتشريعي. وقد أظهر ذلك التباينات وجعلها تطفو على السطح بين مؤيد للمرسوم ورافض ومشكك فيه.

‏فقد كان القرار بمثابة إعلان حالة طوارئ لدى المكونات الفلسطينية، التي بدأت بسعي حثيث لصياغة التحالفات وتحديد شكل المرحلة القادمة، في وقت يقف فيه شعب مثقل بالهموم، لا شأن له بما يحدث، وقد انتابه الإحباط، ليُضاف إلى همومه همٌّ جديد لا ناقة له فيه ولا جمل.

‏ومع زيادة نسبة البطالة والعاطلين عن العمل، وعدم انتظام رواتب الموظفين، وأزمات المحروقات، وإجراءات الاحتلال غير المسبوقة من بوابات واجتياحات وتدمير وإعدامات ميدانية، وعصابات المستوطنين المنظمة والمدعومة بشكل مطلق من قبل حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة، والتي حولت حياة المواطن الفلسطيني إلى حالة من الجحيم الفعلي بكل ما تعنيه الكلمة؛ بدا ذلك واضحاً للعيان في تلاشي حلم المواطن الفلسطيني بالدولة والاستقلال، والتمسك بدلاً منه بحلم الحفاظ على لقمة العيش والعائلة والأبناء من الانهيار والضياع، بعدما تُرك وحيداً يواجه كل ذلك.

‏ناشط سياسي وعضو مجلس بلدية سلفيت