أكرم عطا الله - النجاح - بكلّ التوق لماضٍ كان محشواً بذخيرة الأمل، وبكلّ الحنين لحلم كان يطير بأجنحة من فائض إرادة كانت تنبعث من مقلتَي رجل أهداه القدر في رحلة دامية لشعب أعيته قسوة الرحيل، ليحمل صولجانه لأربعة عقود دون أن يتعب، ويلقي عليه عبء تصحيح خطأ ارتكبه التاريخ في كتاب الجغرافيا في غفلة من الزمن؛ عندما سرقوا عنبه وتينه وزيتونه وطور سنينه وخيمة الذكريات. بكل هذا يبدأ الفلسطينيون في كل عام بإحياء ذكرى الخريف الحزينة، عندما تساقطت دموع الشوارع وهي تؤدي طقوس الوداع لمن كتب نهايته كما أبطال الأساطير القديمة.
صمم تفاصيل رحيله بكل الترميز الذي تحفظه الحكايات وبكل الأسطرة خارج زمنها. عندما كانت أمامه خيارات النجاة، اختار أن يكون «شهيداً شهيداً شهيداً»، وهي التي يحفظها من وُلدوا بعده كواحدة من آيات التغريبة الفلسطينية وسط عالم ينكشف عريه الأخلاقي؛ عندما توغل إسرائيل في الجريمة أمام كل شهود العيان ممّن كتبوا أطنان الورق عن الحق والعدالة حدّ التخمة. سبعة عشر عاماً يزداد حضوراً وسط الرحيل، سبعة عشر عاماً ينتظره الفلسطينيون أن يعود من الموت كما عوّدهم في كل مرة وهو يخرج من بين الركام رافعاً شارة النصر، سبعة عشر عاماً ما زالوا يتداولون حديثه وقصصه ويومياته وذكرياتهم معه؛ فلكلّ فلسطيني معه حكاية ولكلّ فلسطيني منه حصة لم تفرّط بها ذاكرته.
هو ياسر عرفات الذي تكبر معه الرواية كلما أوغل في الغياب، وتكبر بما تجود به ذاكرة تندلق عاطفتها وهي تلد تفاصيل الحكاية تغسلها بالعطر وتغلفها بذاكرة لن تكف عن استدعائه حين يشتد الحنين كلما خرجت القافلة عن الطريق. يستدعون الذكرى للاستقواء على وجع اللحظة أو لصناعة تماسك في هشاشة الراهن.
قبل ثلاث سنوات، كان السياسي والكاتب اللامع نبيل عمرو قد أنجز روايته الرشيقة «وزير إعلام الحرب». كانت التجربة الأولى له في هذا النوع من الكتابة، وتناولت الرواية أحداث حرب الأيام الستة وهزيمة حزيران كيوميات في بلدته دورا، ولكنها نقلت مناخات الأيام الأسوأ في تاريخنا العربي الحديث. وفي حديث بيننا حينه، تحدث عن مشروعه القادم بعد أن يطبع «وزير إعلام الحرب» بأنه يفكر في كتابة رواية بطلها ياسر عرفات، عن يوم من أشرس أيام حرب بيروت، يوم تدمير بناية الصنايع، أنه أمضى يوماً كاملاً في السيارة مع الزعيم الذي كان يقود الحرب.
منذ أسابيع، بدأ نبيل عمرو بنشر حلقات عن ذلك اليوم، وستكون اليوم حلقته الأخيرة، لكنه لم يكن عملاً روائياً؛ لأن واقع أحداث ذلك اليوم الذي ينشر تحت عنوان «أطول أيام الزعيم»، كان يكفي أن تكون شاهد عيان تعيد سرد تفاصيل البطولة كما هي، في ذلك اليوم الطويل من أيام آب، كانت وقائعه تستعصي على خيال كتّاب الأدب وصنّاع الرواية، منذ أن جاء باكراً على غير عادته تحت قصف الطائرات يتفقد الفرن الذي يزوّد كل بيروت بالخبز كأهم عوامل الصمود، بعد أن وفر له كل شيء كما يذخر للمعركة بالقرب من مبنى الإذاعة التي كان يديرها الكاتب، وتشاء الصدفة أن يتعطل محرك سيارته ليجد نفسه في سيارة الكاتب، ولأن الطائرات حينها وأحدث ما أنتجه المصانع الأميركية، كانت تجوب سماء بيروت تطلب رأس الزعيم، فكان قدره أن يمضي يومه طريداً في سيارة.
قصفوا بناية الصنايع التي ظنوا أنه يتحصن بها في غرفة عملياته السرية التي كان على وشك دخولها لولا حدس اللحظة الأخيرة، عندما طلب من فتحي السائق أن يستمر هائماً. وعندما زارها بعد أن تحولت إلى قبر أسمنتي كبير، وضع رأسه بين يديه وأجهش بالبكاء كما الأطفال.. تصوروا؟ هذا هو ياسر عرفات، الطفل البطل المقاتل الذي لم يأكل شيئاً في ذلك اليوم، طريد في سيارة يقود أطول وأهم معركة في تاريخ المنطقة، كما قال يومها لكاتب النص الذي يستدعي ياسر عرفات من مخزن الذاكرة ليضيء عتمة الحاضر، فهذا ياسر عرفات، كان يوم واحد من حياته يكفي لملء كتاب. فهل يمكن كتابة كل تاريخ عرفات؟ تبدو المَهمة عصية عن رجل تمكّن بمهارة من تكثيف وقائع السنوات الطويلة، كان يتمنى أن يكون اليوم الواحد ثماني وأربعين ساعة ليعمل كما كان يمازحه المرحوم محسن إبراهيم، حين كان الزعيم يدور بسيارة في الشوارع، قال له: «الزعماء يبحثون عن عمل، وأنت تبحث عن مكان تعمل به»، عندما ضاقت به الأرض.
إن تفاصيل الدقائق والساعات، التي سيعاد نشرها في كتاب عن ذلك اليوم الطويل، تكشف أكثر عن حقيقة الرجل الذي تمكّن ببراعة أن ينتقل بتاريخ الفلسطينيين من مرحلة إلى أخرى، من لجوء المنافي إلى الحضور السياسي، ومن صحراء التيه إلى وطن الأجداد. فقد كان عليه أن ينجو في كل مرة ليستمر في قيادة السفينة، كان مسكوناً بهاجس عطبها، ينتقل من أرض إلى أرض، ومن معركة إلى معركة، ينهزم وينتصر، لا يعترف بالهزائم ولا بالأصفار، يحوّل كل هزيمة إلى نصر؛ حتى لا يسمح لليأس أن يقترب من جباه رجاله؛ لأن الرحلة طويلة، وكان شديد الإيمان بطريق الوصول، كان يصنع النور في نهاية النفق.
سيستمر الفلسطينيون بالاحتفاء بذكرى الأب والابن الذي قاتل بكل ما امتلك من عناد. لم يكن عابراً في حياتهم، بل تربّع في المركز واستولى على عرش الذاكرة، فماذا يعني أن تنتحب عجوز ثمانينية على الضريح بعد كل سنوات الغياب تشكو اليُتم بعده؟ كيف يصبح ابن الثمانين يتيماً؟ فقط عندما يكون الأب أسطورياً. وهكذا كان ياسر عرفات الحكاية والرواية... !!!