أكرم عطا الله - النجاح - لم يعد شيء في العالم العربي يدعو للاندهاش، وبعد فشل كل محاولات الالتحاق بالعالم الذي أقلع بعيداً وظل العرب على حافة الرصيف، لم يعد شيء يدعو للإثارة في ظل استمرار شحن توربينات العنف والإقصاء، وسط أمة مازالت تختلف وتناقش وتستهلك ذاتها في تفاصيل الأيدلوجيا، تاركةً للعالم أن يطير نحو التكنولوجيا ليصل للقمر وعالم الفضاء والروبوت والذكاء الصناعي الذي يحسب كل شيء في لمح البصر، فيما بقينا نعد على أصابعنا أو نعض على أصابعنا انتقاماً من ذاتنا ومن أبناء جلدتنا.
لا حوار في العالم العربي سوى بالسيف والإقصاء والاستقواء، بما يملك كل طرف من قوة، لقد فشلت كل أدوات التقارب وفشلنا في بناء مؤسسة جامعة سواء على المستوى الجمعي حين تسود قوة اجتماعية حزبية أو سياسية، وتسيطر بالقوة على باقي المكونات بلا قواسم مشتركة لم تسجلها تجربة عربية واحدة، ليس سوى لسيادة عقل القبيلة وتجربة القبيلة ووعي القبيلة وبالتفاصيل، دون أن ندرك أننا ماضويون وغارقون في أزمان لم تعد تتلاءم مع روح العصر، ونمارس السياسة ببدائية ساخرة كأنها تجيء من عصور سابقة، أو توقفت عند مرحلة تاريخية غابرة تصيبنا بصدمة الأداء السياسي والاقتصادي والتكنولوجي والحضاري للعالم.
بين الأفراد ومع انتشار السوشيال ميديا من يراقب الحوار أو الصراع المنتشر على صفحاتها يدرك عقم النقاش واللاجدوى حتى من النقاش، بل وأصبح الحوار مدعاة لصب مزيد من الوقود على نيران تسكن في رماد عقولنا التي تحجرت، فلا أحد يناقش ليتغير أو ليفكر، فكل منا ينطلق من أنه يحتكر الحقيقة وعلى الآخرين أن يغيروا ما لديهم، وكل واحد ينطلق من هذا المفهوم لينتهي أي نقاش بصدام جديد، وهكذا تنتهي كل حواراتنا، هل رأيتم عربياً يغير رأيه؟
يبدو أن الأمر يرتبط بفقدان الثقة بالنفس لأمة حطمت مجموع أفرادها لفقر إنجازاتها، إذ تحول ما يحمله الفرد من آراء الى جزء من تكوينه أو توازنه النفسي، ومن هنا فإن تغيير الرأي يعني تحطيم هذا التكوين أو التوازن، أو يرتبط بالانتماء ما يشبه القبلي غير القابل للتغيير، أو لاستيعاب ما هو خارج وعي القبيلة وفهمها والدفاع عنها بحروبها وأخطائها وممارساتها، فمازلنا في هذا المستوى من المرحلة البدائية.
نحن نعيش في داخل النصوص لا في الحياة، فقد تحول التراث الى مقدس، فبدلاً من الاعتزاز به تحول نحو السكن به، وكل ما أنتجته هذه المنطقة من صراعات أيضاً تحول الى مقدس يدعو لمزيد من الصراعات، وليس الى تاريخ علينا إعادة النظر به، فتاريخ أنتج كل هذا الخراب لابد وأن نتوقف أمامه بكل جدية، لأن تجربة الآباء عندما تترك كل هذا العنف والخراب والفساد والتخلف عن العالم لابد وأنها تحمل قدراً كبيراً من الخطأ.
بعقلنا القبلي نعيد إنتاج التفاصيل والتي تحولت الى سلوك ونهج وحياة، وتغترب أكثر كلما تقدم الزمن عن العلم وعن العالم وعن اختراعاته كأمة لا علاقة لها بكل الإنتاج المعرفي والمادي، حيث تدور الصراعات الكونية واختراع التكنولوجيا والمنافسة على التقدم. يقتصر دورنا على مراقبة الأمر بأمية لا مثيل لها، كأن الأمر لا يعنينا أو ليس لنا علاقة بكل هذا. وكما قال ذات مرة شيخ في الأردن «ما خلقنا لهذا» وهو يحاول إيجاد تبرير لموقعنا في هذا العالم الذي يسير بسرعة الصاروخ ونحن نقف على تلة في الصحراء ننظر بدهشة البدائي، فالصراع بين الصين والولايات المتحدة والتنافس التكنولوجي أبعد حتى من فهمنا لما يدور، وحين يعلن عن صواريخ «فرط صوتية» نحن بحاجة أولاً الى فهم ماذا يعني ذلك، ونحن نتنافس وندير صراعات الماضي عندما اختلف الآباء ذات يوم على السلطة، مازلنا نتحاجّ أيهما كان أحق بها ونناقش المسألة بحد السيف وبالنار وبالجثث وبالدم.
أفاق الفلسطينيون قبل أيام على رجل كان يحطم تماثيل الأسود في رام الله متعاملاً معها كأصنام، وتلك طفولية العقل العربي الذي لم تغادره ولم يدرك هو والكثير من أمثاله أن كل حياتنا تحولت الى حالة صنمية تعشش في عقولنا وترفض المغادرة، مقولات الآباء والأجداد - التاريخ بصراعاته - العلاقات الاجتماعية القديمة - الهيكل السياسي المبني على تراتبية القبيلة، كل هذا يشكل أصناماً تمنعنا من رؤية العالم والتقدم والعلم والتطور، ثم نسأل: لماذا نحن في ذيل الأمم؟
ولأن السوشيال ميديا كشفت كل شيء كان النشطاء ينشرون مقارنة بين رئيسي وزراء، الأول لدولة عربية شديدة الفقر والثاني رئيس وزراء كندا، كان موكب الأول في الدولة الفقيرة أشبه بموكب الامبراطور وحاشيته وحراساته يتحرك الرجل بينها منفصلاً عن العالم، يختال بمشيته مثل أبطال المعارك المنتصرين مترفعاً عن التحدث مع أحد، فيما كان رئيس وزراء دولة مثل كندا بموكب فقير من سيارة واحدة يسلم على رجلي الشرطة على البوابة بكل تواضع، ويمشي في الشارع يلتقط معه المواطنون صوراً على هواتفهم المحمولة، وأحياناً يعدل لهم الصورة. وتلك المقارنة وحدها تكفي للكثير من الدلالات والتفسير الذي يكفي لأزمة واضح أنها لن تغادر قريباً إذا لم تكن تكفي لإعطاء بشارة عن نذر تشاؤم المستقبل؟
العالم يدير نفسه بكفاءة وحكومات تعمل كالساعة، ونقرأ عن تعطش الدول مثل ألمانيا وغيرها للوظائف بمئات الآلاف من الشواغر يقابلها مئات آلاف من العاطلين عن العمل لدى دول يتحرك رؤساء وزرائها بكل الكبرياء والمواكب. كيف يمكن أن نفهم هذا؟ إن المقارنة شديدة القسوة بين حكومات تعتبر نفسها مسؤولة عن مواطنيها، حتى لمن لا يعمل توفر له الرفاهية وفرص العمل، بين حكومات يعيش الفقر فيها حتى من هو محظوظ ووجد له فرصة عمل، الأزمة كبيرة وحتى في التفاصيل.
كل هذا ليس سوى لأن السياسة ومركباتها ليست منتج الحالة العربية الصحراوية، فقد أنتجتها دول بعد الثورة الصناعية كحاجة مجتمعية تطلبتها النقابات ومؤسساتها، لهذا فهي غريبة على عالم الصحراء الذي ظل أكثر ارتباطاً بمناخاته الصحراوية وبيئته وبالقبيلة ويمارس السياسة بعقليتها وثقافتها وأصنامها، وتلك هي النتيجة، فلا داعي لللاندهاش...!!!!