نابلس - حسن البطل - النجاح - هنا يحفرون في كل مكان، وعلى الصخر يبنون، ويكسون ما يبنون عظم صخر آخر. أنت الفضوليّ، لا سائق الجرّافة أنت ولا المهندس. أنت الفضوليّ وقفتَ، صبيحة الأمس، أمام سؤال يركبه جواب.. ويعتليه سؤال: بين طبقتي صخر رباعي، متأخر وهشّ، وصخر أكثر منه هشاشة حتى أنه الركام، هناك طبقة مندسّة سمراء أفقيّة، ربّما أطعَمتْ شعيراً وبقلة جدّك الأوّل «إنسان نيا ندرتال»، وترتديها، الآن، طبقة صخور رباعية متأخرة جدّاً، جاءت بها سيول قويّة من تلال ليّنة الحواشي. كان طوفان هنا، قبل نوح، طَمَرَ حقولاً هنا.. لم تشتغل عليها يد الدهر كثيراً، ولم يُمنح «الحرفيش» ما يكفي من الوقت، ليبني، من موته السنوي - الدهري، تربة سمراء جديدة. كلّ أرض هي أوّل الأرض، وكلّ أرض هي آخر الأرض. وفي قلب المجرّة قيامة لا تهدأ من «جنّة ونار»؟! يقولون: هُنا أرض فلسطين آية دين السماء لإنسان الأرض، غير أنّ آية الأرض هي: (غبار  يصير صخراً، وصخراً يصير غباراً).. في كل مكان. مرّة، في الجولان، وقفت بين جوابَين بينهما جواب: أرض سوداء (من فَرْط وَحْم خصوبتها) ترتدي خوذة من صبّة بركانيّة سخماء، وتعلوها طبقة سمراء، خصبة ورقيقة. هكذا تحُسُّ تَعَاقُبَ الليل والنهار، لترى تَعَاقُبَ الفُصول، لتقرأ تَعَاقُبَ الدّهور... والأرض تدور. بالعين المجرّدة، رأيت في تلك البقعة من الجولان رميم جذور أشجار، عاجلها صهير البراكين (اللافا)، التي فتّتتها يد الدهر، تربة تمنح الشعير البرّي أن يكتب سطره من الآية. والآن، فوق تربة الشعير يزرعون أشهى فاكهة الجنّة، لأنّ البركان نام. .. وأشهدُ أنّكَ، من عيون في أطراف الجولان، قد تنهل ماء ينابيع، لن تجد مثل سلاسته في أغلى الزجاجات المعدنيّة، لأنّ البركان يصحو بين قيلولتَي نوم، فيجعل لماء الينابيع نكهة ماء السماء مقطّرة.
 ***
 في امتحان الجيولوجيا، السّنة الثالثة، ترتسم ثلاثة تعابير على أسارير الطلاب. يعبس من يكون نصيبه رسم مقطع من «خارطة جزّين»، ويصفن من يكون نصيبه «خارطة الزبداني» الأقلّ تعقيداً... ويضحك حُبُوراً من تكون جائزته مقطعاً من جبل «حرمون». كنتُ من الذين عَبَسُوا، وجميع العابسين رسبوا في دورة الامتحان الأولى. كان ذلك رسوبي الأوّل والأخير خلال 61 سنة دراسية. لذلك، أينما أذهبُ تلاحقني أسئلة «الأغشية المجرورة»، وفوضى «الانقلاب الطبقاتي»، وحيرة «الصدوع المركّبة»..
***
ها أنا القادم من الجغرافيا إلى الصحافة الثوريّة (التي وأَدَتْ شهادة دكتوراه الجيوبولوتيكا).. ومن صحافة ملتزمة (حتى التزمُّت) قد توصلك المثابرة إلى «جائزة فلسطين» في المقالة الصحافيّة. عليّ أن أردّ «الأصالة، والتنوّع، والغزارة» إلى جذرها الصخري، لا إلى حبر هذا القلم، الذي تجنّد رُبع قرنٍ حتى تراكمت «مساهماته قفزة نوعيّة في أسلوب الكتابة الصحافيّة، في فلسطين». كلّ ما في الأمر، ألا تمشي في الأرض تِيهَاً، ولو اشتغلتَ في سفاسف السياسي (وبنود «خرائط الانتشار»!) بينما تَشْخَصُ بنافذتي عقلك (عينيك) بين آيتَي الأرض.. والسماء.
***
عليّ أن أذكر بالخير من تشرّبت روح حبرهم: ميشال أبو جودة، إلياس ربابي، إدوارد حنين (ليبرالي، وكتائبيّان!) لأنّ «كلام الجرايد» قد لا يأخذك حصاة من أوّل السيل، ليرمي بك تراباً في ماء البحر العظيم، فقد يُوصلك إلى نحتك في «المقالة الصحافيّة». بين الدم والدمع والبارود، بعد أيلول عمّان، صادفتُ أحمد دحبور، الذي انتهرني وزميليّ «يا مثقّفين.. عاطلين، تعالوا واسكبوا حبركم في جريدة «فتح». كان هذا «التوبيخ» قرب «السبع بحرات» في دمشق. من يومها أمْسَكَتْ بِي نار الحبر، وغسلتُ خَجَلِي الدّفين: لماذا يُحارب أصحابي الفدائيين، وأتلظى من سخرية جلال صادق العظم عن حزيران: «جندي المحراث اليدوي هزمه جندي التراكتور - الدبابة»؟!. لم أكن - أنا المأخوذ بالفلك والجيولوجيا - أحتاج أن يوبّخني مُعين بسيسو: «اكتبوا بالحبر قبل أن تكتبوا بالدم والنار». لو عَلِمَ مُعين أنّ نار الكتابة بالحبر مديدة وباردة، تأخذ من عمرك رُبع قرنٍ لتطبخك أنت وقلمك.. وتؤهّلك للجائزة! أغار من الذي أُخاطبه دائماً «خَيّا محمود» لأنّني أتشرّب ما يكتب: شِعراً ونَثراً.. ونَزقاً وسُخرية (نالني من لسانه الكثير!) ولأنّه يَسْري، بِحبره ورُوحه، مسرى النسغ من أعمق جذرٍ إلى أعلى غُصن، بينما يُشاغلني (في عمودي) الخشب واللحاء، بين نظرتين إلى عُروق باطن كفّي.. وعُروق ورقةٍ من أوراق شجر الخريف.. فأهرب إلى أكبر صدع (أو إلى حفر لأعمق أساس!) لأقرأ صفحات من كتاب الأرض، الذي أوْصَلَ عالماً جيولوجياً فرنسياً إلى ما هو أعمق من فلسفة أرسطو وأفلاطون.. وماركس. أنت الفضولي لك الكنز الذي يبقى في مكانه.. وترحل. وأنت «المجنّد الإعلامي» تصير لك جائزة لما راكمته من رُكام الكلام: «كونغلوميرا».. «كونغلوميرا» أيضاً. مدارس السياسة في أكاديميّة الصخر والحبر.
حسن البطل