نابلس - محمد ياغي - النجاح - إذا كان نفتالي بينيت، رئيس مجلس المستوطنات سابقاً، قد تمكن بمقاعد حزبه «يمينا» السبعة من فرض نفسه كرئيس وزراء لإسرائيل لمدة عامين في حكومة ائتلافيه مكونة من سبعة أحزاب القاسم الوحيد الذي يجمعها هو الخلاص من نتنياهو، فإن منصور عباس، نائب رئيس الحركة الإسلامية (الشق الجنوبي) ورئيس القائمة العربية الموحدة، وعضو الائتلاف كان بإمكانه أيضا أن يطلب رئاسة الحكومة الإسرائيلية وان يحصل عليها لمدة عام على الاقل بمقاعده الأربعة.
كان بإمكان الفلسطينيين حينها مفاوضة أحد أبناء جلدتهم على حقوقهم التاريخية في بلدهم.
ترى هل كانت ستكون المفاوضات في حالة كهذه أسهل على الفلسطينيين أم أكثر صعوبة من تلك التي جرت مع قادة إسرائيل من رابين الى نتنياهو؟
يَقول الراحل محمود درويش في لقاء معه لا أعرف أين قرأته اليوم، أن قراره بالالتحاق بالثورة الفلسطينية في لبنان، كان بعد مشاركته في مؤتمر في موسكو حضره  ثلاثة فلسطينيين، هو أحدهم، لكنهم جميعا كانوا يمثلون دولاً مختلفة.
درويش يقول، كانت فلسطين حاضرة بثلاثة ممثلين، لكن أيا منهم لم يحضر باسم فلسطين أو كان ممثلاً لها.
يُقال بأن منصور عباس قد غادر القائمة المشتركة (الائتلاف العربي) الذي حصل على خمسة عشر مقعداً في الكنيست في الانتخابات الثلاث التي جرت خلال العامين الأخيرين لأن إحدى كتل القائمة قد دعت صراحة الى مساواة المثليين في الحقوق السياسية والمدنية في إسرائيل، وهو ما استفز السيد منصور وجعله «يرتعد» مخافة من الله ويقرر شق الصف العربي وتقزيم حضوره بالتالي في الكنيست في انتخاباتها الأخيرة الى عشرة مقاعد يمتلك هو منها أربعة.
مخافة الله هذه لم تكن حاضره عندما قرر منصور عباس الدخول في حكومة رئيسها ينادي علناً بطرد الفلسطينيين من أراضيهم وإحلال المستوطنين مكانهم.
لا أعرف إن كان السيد منصور عباس قد شاهد صورته في مقال نشرته قناة الجزيرة بعنوان «منصور عباس.. كيف أصبح السياسي «الإسلامي» صانع الملوك في إسرائيل؟
إن كان قد شاهده فهو من المؤكد قد انتشى طرباً.
ربما لا يدرك السيد منصور عباس أن نفتالي بينيت هو من قال «أنا المدافع عن ارض إسرائيل الكبرى.» وهو من يقول إن «للفلسطينيين دولتين واحدة في غزة والثانية في الأردن.» وهو من حاول مع نتنياهو ضم ٣٠٪ من أراضي الضفة الغربية عندما أعلن الرئيس ترامب صفقة المشؤومة للسلام. وهو أيضا من يعتبر كل الضفة الغربية ارضا توراتية غير قابلة للتفاوض.
هذا كله لم يدفع السيد منصور عباس «للارتعاد» مخافة من الله؟!
يُقال أيضاً بأنه حصل على رزمة من الوعود المتعلقة بالحقوق الاجتماعية لفلسطينيي عرب ١٩٤٨ مقابل دخوله للائتلاف. ونحن نتساءل: هل توجد رزمة حقوق اجتماعية كافية وتجيز لأي كان التنازل عن الحقوق الوطنية؟
بحسابات السيد منصور عباس كان على الفلسطينيين قبول صفقة ترامب مقابل الخمسين ملياراً التي تم وعد الشعب الفلسطيني فيها.
عندما يكون هنالك أكثر من حزب (يمينا، إسرائيل بيتنا، أمل جديد) ترفض من حيث المبدأ وجود دولة فلسطينية الى جانب إسرائيل، وترفض المساواة بين العرب باليهود في الحقوق، وعندما تؤيد هذه الأحزاب او بعض منها قانون القومية في إسرائيل الذي يعطي اليهود وحدهم حق تقرير المصير ويجيز الاستيطان في كامل ارض فلسطين التاريخية فما هي قيمة أي حقوق اجتماعية موعودة؟
ألا يعلم السيد منصور عباس أنه من المستحيل حماية اي حقوق اجتماعية في ظل غياب الحقوق الوطنية؟
خذ ما شئت من الحقوق الاجتماعية إذا كان بإمكان نفتالي بينيت وحلفائه المتطرفين انتزاع البيت الذي تسكنه وتحويلك الى مشرد متى شاؤوا.
مشكلة منصور عباس هي مشكلة كل النخب العربية على اختلاف مشاربها الأيديولوجية: هي تُفصل الحقائق على مقاس مصالحها الذاتية وحدها، وهي لذلك غير جاهزة للتنازل لعقد التفاهمات مع الحلفاء الطبيعيين وتستسهل عقدها مع الخصوم.
منصور عباس تمكن من عقد تحالف مع اليمين المتطرف في إسرائيل الذي يدعو لطرد الفلسطينيين من أرضهم، لكنه استصعب الوصول الى نقاط تفاهم مع من هم من أبناء جلدته الذين يدعون ويعملون على التمسك بأرضهم وبحقوقهم التاريخية.
«الثوار» في سورية و»النظام» القومي فيها استسهلوا تدمير بلدهم خلال عشرة أعوام من القتال، لكنهم لم يجرؤوا على إطلاق رصاصه واحدة على من يحتل أرضهم منذ خمسة عقود.
النخب الفلسطينية عاجزة عن الاتفاق على انهاء الانقسام بينها فيما هي تستسهل الاتفاق مع إسرائيل والدول العربية والغربية التي ترغب بتعميق الخلافات بينهم.
النخب الليبرالية والإسلامية المصرية التي خاضت ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ عجزت عن الاتفاق فيما بينها، لكنها استسهلته مع كل القوى التي لم ترغب لثورتهم بالنجاح.
الكثير من النخب العربية عاشت على مشروعية «الثورة» في بلدانها ورفضت الاعتراف بالتغيرات التي تجري على الأرض حتى كرهتها الناس وثارت عليها أو تركتها لأعدائها لينهشوا فيها: القذافي في ليبيا، صدام في العراق، العقيد علي عبد الله صالح في اليمن.
الانقسام الفلسطيني هو انقسام بين النخب وليس بين الفلسطينيين الذين أثبتوا في المعركة الأخيرة أنهم موحدون في كافة أماكن تواجدهم.
أو ليس هذا ما يثبته فشل اجتماعات القاهرة قبل حتى بدئها؟ أو ليس هذا ما يثبته تصدي قوات الامن الفلسطيني للمستعربين في جنين؟
مشكلة النخب ليس لها حل إلا إذا وصلت هي نفسها الى قناعة أن مصلحتها ومصلحة بلدها يتطلب الاحتكام الى آليات التبادل السلمي للسلطة حيثما أمكن والى الحوار الجاد والمسؤول وتغليب مصلحة البلد على المصالح الفئوية الضيقة عندما تتعلق المسألة بقضايا تتطلب التوافق الوطني.