حسام شاهين و ماجد المصري و ناصر عويص - النجاح - بقلم الاسرى حسام شاهين ناصر عويص ماجد المصري.

يكثر الجدل في الآونة الأخيرة بين الأطراف الفلسطينية المتباينة حول قضية القدس والانتخابات التشريعية، علماً أن الإنتخابات استحقاق وطني وضرورة ملحة، وحاجة اساسية لإعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني المتشظي، وضعيف الشرعية، جراء النزاعات الداخلية التي أساءت إلى عمقه الوطني، وامتداده الاقليمي، وحضوره الدولي.

لقد أجمعت حوارات القاهرة، بين مختلف فصائل العمل الوطني والإسلامي على أهمية الانتخابات كمدخل مركزي لإستعادة الوحدة الوطنية ولملمة الصفوف وترميم البيت الوطني، باعتبارها خطوة أولى على طريق إنهاء الانقسام، وهذا اجماع مبارك.

لكنها على ما يبدو قد أخفقت في وضع الآليات والاستراتيجيات التي تجسد الوحدة بأسمى معانيها بعيداً عن المحاصصة الفئوية التي هي بالأساس أس المشكلة برمتها، وقد تجل ذلك واضحاً في تباين المواقف الانتخابية حول قضية محورية كالقدس تمثل جوهر الصراع مع الإحتلال في المرحلة الراهنة، وهذا اخفاق مذموم.

وبعيداً عن الشعارات الرنانة، والمهاترات السياسية التي تسعى إلى تصوير الانتخابات على أهميتها وكأنها معركة نضالية ستؤدي إلى تعرية الاحتلال، وفضح سياساته العارية والمفضوحة أصلاح، دعونا نستعرض محاسن ومساوئ الانتخابات أو عدمها بالاستناد إلى خرق حق المقدسيين في ممارسة دورهم السياسي في الترشح والدعاية الانتخابية والتصويت في أزقة وحواري وضواحي القدس العاصمة، أو في ظل حرمانهم من هذا الحق ومصادرته بفعل غطرسة كيان الاحتلال، وحتى نكون أكثر دقة في تشخيصنا للأمر سنحلله من عدة جوانب، 
أولاً: سياسياً:
منذ احتلال القدس عام 1967، وسياسات الاحتلال قائمة على نظرية تفريغ المدينة من سكانها الأصليين وبالاعتماد على منهجية طرد أكبر عدد ممكن من السكان خارج حدود ما بات يعرف ببلدية القدس وضم أوسع مساحة ممكنة من الأراضي، ومنذ ذلك الحين وحتى اللحظة الراهنة تصب كل السياسات الرسمية وغير الرسمية الصهيونية في هذه الخانة التي أسفر عنها سحب ما يزيد عن 20 ألف هوية مقدسية، وهدم مئات البيوت، وإخراج أحياء كاملة خارجة حدود البلدية المزعومة، وضم مئات الالاف من الدونمات الخالية من السكان إلى حدودها، ناهيك عن تضييق الخناق على المواطنين والمؤسسات المقدسية حتى في أبسط الشروط الحياتية، وها هم المقدسيون يخوضون يومياً معركتهم الوجودية والانسانية بكل بسالة لحماية عروبة وإسلامية مدينتهم، والحفاظ على هويتها الوطنية بانتخابات أو بدونها!!

وبما أن معادلة الديمغرافيا والجغرافيا في هذه الحالة، تعني وطنياً أن يمارس السكان حقهم السياسي فوق تربة المكان الذي ينتمون اليه، كتعبير سياسي وقانوني عن هوية المكان، فهذا يعني أن مشاركة المقدسيين في الانتخابات من حيث الترشح على القوائم النسبية، والتصويت بعيداً عن أرض القدس تماثل مع سياسات الاحتلال التي تسعى إلى تعزيز هوية السكان السياسية خارج حدود مدينتهم، وسلب المكان هويته الفلسطينية على طريق تهويده، الشهوة الصهيونية  التي تفاقمت بعد الاعتراف الامريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل في صفقة القرن باطلة الشكل والمضمون.

من حيث المبدأ لايوجد مانع عن سلطات الاحتلال من أن يشارك المقدسيين في النشاط السياسي والرسمي الفلسطيني ولكن بعيداً عن الجغرافيا المقدسية، فمنهم الوزراء والسفراء وكبار الموظفين المدنيين والأمنيين وغيرهم المنتشرين في مختلف المؤسسات الوطنية الفلسطينية، وإلا كيف نفسر إغلاق بيت الشرق، ونادي الأسير، والغرفة التجارية ومكتب تلفزيون فلسطيني، وأخيراً اخضاع محافظ القدس للإقامة الجبرية طوال هذه المدة، سوى لأنه مارس جزئياً دوره السياسي داخل حدود المدينة؟!
أوليس من الحري بنا أن نقف ونسأل أنفسنا: لماذا لايعارض الاحتلال الاسرائيلي مشاركة الفلسطينيين في الانتخابات خارج حدود المدينة؟! فإذا كان الاحتلال يريدهم سياسياً خارج نطاق القدس، فأين نريدهم نحن؟ وكيف؟ ولماذا؟!

ثانياً:  نضالياً:
طرح البعض منا أسئلة حساسة وجوهرية، منها: لماذا نسلم مفاتيح صنادق الإقتراع لنتنياهو؟! الإنتخابات حاجة وطنية لتجديد الشرعيات الفلسطينيه، فهل من المعقول أن نترك الاحتلال يُسير دفتها؟! لماذا لانجعل الانتخابات في القدس معركة سياسية نخوضها حتى لو تم الاعتداء على الناخبين والمرشحين واعتقالهم، وبالتالي نفضح سياسات الاحتلال؟! وغيرها الكثير من الأسئلة والأسئلة المضادة.

وقبل الإجابة على هذه الأسئلة المرتبطة جدلاً بالأسئلة التي سبقتها تجدر الإشارة إلى أن الانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية كانت قد عقدت في الأعوام 1996، 2005، 2006، بموجب الاتفاقيات الموقعة مع سلطات الاحتلال الصهيوني، وقد جرت تحت إشراف وضمانات المجتمع الدولي الذي قام برعاية إتفاقية أوسلو، وشملت في حينها مدينة القدس، غير أن اسرائيل أدارت ظهرها للعديد من بنود هذه الاتفاقية خاصة تلك المتعلقة بالقدسن والاستيطان، واستوحشت تحديداً بعد الإعلان الأمريكي عن صفقة القرن، وكأنها تسابق الزمن لفرض وقائع جديدة على الأرض.  الأمر الذي يجعل من القدس محور وجوهر العملية الانتخابية برمتها.

هناك فرق شاسع بين أن نصنف أنفسنا كمناضلين لازلنا في طور حركة تحرر وطني، وبين أن نتعامل مع أنفسنا كموظفين في مؤسسات دولة مستقلة ذات سيادة، لأن متطلبات وواجبات كلا المرحلتين تختلف جذرياً، الإختلاف الكامن بين حب العطاء والتضحية في سبيل القضية الوطنية، وبين الرغبة في قطف الثمار والاستفاده من ذات القضية لتحقيق امتيازات ومكاسب شخصية.

فمن يسعى خلف المقعد البرلماني ويطالب المواطن المقدسي بأن يدفع له ثمن هذا الجلوس عليه أن يعيد حساباته، وأن يدفع هو للقدس ثمن هذا التكليف، ومن لايريد أن يسلم مفاتيح صناديق الاقتراع لنتنياهو عليه أن لايسلم مفاتيح المدينه له أيضاً، فالانتخابات جزء من معركة القدس الكبرى،  وليست كل المعركة أو بديلاً عنها، وليتفضل قادة العمل الوطني والاسلامي الفلسطيني بكل فصائلهم الى قيادة مسيرات شعبية حاشده في هذا الشهر الفضيل، والتوجه نحو الحواجز العسكرية التي تحيط بالمدينة وتخنقها كي يباشروا بخوض معركة كسر الحصار على القدس في الوقت الذي سيحتشد فيه آلاف المواطنين من الجهة المقابلة للحواجز والجدار لإستقبالهم تحت راية فلسطين الواحدة الموحدة، وليساندوا مادياً أصحاب البيوت المهدومة أو تلك المعرضة للهدم، ولتدفع الضرائب الباهضة التي يرزح تحت وطأتها مواطني وتجار القدس، وليتم دعم وتمويل المؤسسات المقدسية التي تنهار واحدة في إثر الأخرى وفي مقدمتها مستشفى المقاصد، وبقية المؤسسات الثقافية والرياضية والتعليمية وغيرها، من هنا تبدأ معركة القدس وتنتهي بالانتخابات، وعكس المعادلة فيه مغالطه كبرى لن يرحم التاريخ مرتكبها!!

إن تأجيل الانتخابات بهدف وضع استراتيجية مواجهة وطنية لخوض معركة القدس تمثل الانتخابات جزء منها أمر فيه حكمة وحرص شديدين على ترتيب الصفوف ورصها وذلك أفضل بكثير من المغامره والإرتجال بعد الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها سلطات الاحتلال لمنع الانتخابات في القدس.

الإنتخابات ليست أهم من القدس، ولا أهم من الوحدة الوطنية، وتأجيلها بسقف زمني واضح لترتيب البيت الداخلي ليس هروباً وإنما ضرورة أكثر إلحاحاً من إجراءاها، والمسؤوليات التي يمكن أن يتحملها المجتمع الدولي تجاه الديمقراطية الفلسطينية والقدس في ظل التأجيل أكثر وأكبر بكثير من تلك التي سيتحملها في حال انعقاد الانتخابات، لأنها ببساطه ستكون قد جرت بالفعل، وبالتالي تم اعفاء المجتمع الدولي من التزاماته وتعهداته في الضغط على دولة الاحتلال بموجب الاتفاقيات التي شارك في صناعتها، والتي تؤكد أن القدس الشرقية جزء من الأراضي المحتلة وهي عاصمة دولة فلسطين، فإذا كانت الانتخابات في خضم هذه المعطيات قد تنتقص ولو قليلاً من التسوية التي قبلها المجتمع الدولي، ويضغط علينا بموجبها خاصة في مسألة القدس، فلماذا نُقدم نحن الفلسطينيون على هذا التنازل؟ وما هي الغاية من ذلك؟!

ثالثاً: قانونياً:
إن الدعوة إلى تصويت المقدسيين في السفارات والقنصليات الأوروبية والأجنبية المتواجدة في مدينة القدس، أو في المؤسسات الدولية التابعة لهيئة الامم المتحدة، أو في الأماكن الدينية ككنيسة القيامه والمسجد الأقصى، دعوة فيها الكثير من المغالطات، فالمقدسيون ليسوا رعايا أجانب في دولة أخرى، حتى نستعين ببعض الدول الصديقة لإستخدام سفاراتهم، كما أن أرض السفارة وفق القانون الدولي تعتبر خاضعة لسيادة الدولة التي تمثلها، والتصويت في هذه الحالة بُعد سياسياً وقانونياً تصويت على أرض أجنبية.

أما المؤسسات الدولية الأخرى فهي لاتمثل حماية لتصويت الفلسطينيين، نحن لانحتاج إلى حماية دولية لإجراء الانتخابات، والأماكن الدينية ليست بديلاً عن مشاركة المقدسيين وفقاً للإتفاقيات الموقعة إلا إذا جاءت ضمن الخطة الفلسطينية الشاملة لخوض معركة القدس باعتبار الانتخابات جزء منها، ورغم أن الاحتلال يدفع باتجاه زجها في إتون الصراع السياسي، إلا أنه يجب الانتباه من ناحيتنا بعدم الانجرار إلى هذا المربع وتجنيب الاماكن الدينية الصراع السياسي قدر الامكان. 

هذا تصور بسيط حول الأسباب التي تدفعنا إلى التحذير من مغبة السقوط في فخ الانتخابات بدون القدس، في الوقت الذي نحيي فيه أبناء شعبنا من المقدسيين الذي زرعوا الأمل في زنازيننا المعتمة، ونرفع هاماتنا عالياً بنضالهم المتواصل الذي تجسد عزة وكرامة قبل ايام في باحات المسجد الأقصى المبارك وفي باب العامود وأحياء المدينة المقدسة.