نابلس - تحسين يقين - النجاح - هناك من يمكن تغييرهم، وهناك من لا يمكن تغييرهم!
ليس الحديث هنا باستخدام القوة، بل بالتوعية والتذكير.
ترى هل من رسالة أو استخلاص فكرة لدى مؤلف النص وكاتب الأغنية الرئيسية فيه والمخرج أيضاً تجاه النفس والحياة والمجتمع والنظم؟
«سيبني ياض أدندن أنا مش مغشوش
كعكع ع الكلام واتكيفه في الحوش»
هكذا حال فرحان ربما كما أفهمه في غنائه القادم من نقاء النفس: دعني أتحدث مع من نعقد عليهم الأمل من الجيل الجديد غير المتلوث، أما هؤلاء المتلوثون والمتورطون فإنني أزهد بمخاطبتهم (كعكع) أي توقف!
هذا رأي فرحان والكاتب والمخرج..ربما!
النهاية تعيدنا للبداية والتساؤل المرّ: ما دلالة الانتهاء التراجيدي بمشهد فرحان في محطة مصر عائداً إلى بلده، وهو المشهد نفسه الذي ابتدأ الفيلم به قادماً من بلده إلى القاهرة؟ كيف جاء شغوفا ممتلئاً حماسة وفرحاً وقد عقد الأمل على المدينة، وكيف يتركها مكسور الخاطر بحزن عميق؟
هل هي حالة النفور والاغتراب التي حصلت معه إزاء المدينة كرمز لمنظومة الحكم والإدارة، والتي لم يستطع التكيف معها كأهل الحوش، والتي دعت المحامي حسن حسني حين ودعه في محطة القطار ليقول له: قبل أن تأتي إلى هنا اعرف موقع الديمومة على الخارطة!
وهو، أي فرحان الذي كان في البدء متفائلاً: بقى لي في مصر دار!
«خبر ايه يا بيه!»
تلك صدمة الشاب فرحان حينما ينتقل من بلده إلى القاهرة، ليعمل محصلا (كومساري) في أوتوبيس في شركة النقل الحكومية، لتتوالى الصدمات، ليهمس لنفسه وبلده واقفاً على كوبري قصر النيل: ليه كده يا مصر؟ تضربيني يا مصر؟
فرحان هو الشخصية الرئيسية في فيلم يحمل اسمه «فرحان ملازم آدم»، وهو فيلم إبداعي، انضم لروائع الأفلام، وقد تم إنتاجه عام 2005، للمخرج عمر عبد العزيز ومن تأليف السيناريست محسن زايد الذي رحل قبل تصوير الفيلم. وقد مثّل الفيلم صدمة إيجابية، حينما أعاد الأمل بأن هناك سينما جادة يمكن أن تكون وسط تراجع السينما بشكل عام، إلا من بعض أفلام أريد لها الخلود.
لقد رمز الراحل محسن زايد بالحوش للوطن، حيث التقط المبدع عمر عبد العزيز الفكرة والنص والحوار، لينقل ذلك من خلال الكاميرا الذكية إلى أبعد مدى ممكن من التأثير.
ليست هذه أول مرة التي يتم الرمز بها للوطن من خلال حي، فقد سبقه آخرون، وتبعه، ومنهم من رمز للوطن بعيون بهية، وأسماء أخرى في الغناء والشعر.
يصل من الريف، الشاب فرحان ملازم آدم، للعمل في المدينة الكبيرة، حاملاً معه القيم العادية التي نشأ عليها في قريته البعيدة، كحال الريف العربي، لينصدم بالعديد من المواقف، والتي يتقبل بصبر بعضها، في حين لا يتقبل أكثرها، وحينما تدفعه الحمية للتغيير باليد، يتم تعنيفه بقسوة. يقوده القدر للسكن في غرفة صغيرة في بيت بسيط تملكه بائعة كشري، حيث يشكل البيت حوشاً فيه القصص والحكايات، التي راح فرحان يطل عليها مصدوماً، من أول لقاء.
تعيش في الحوش السيدة صاحبة البيت (لبلبة) المسجون زوجها على خلفية المخدرات، وابنتها فتنة ياسمين عبد العزيز، والمحامي إسماعيل حسن حسني الغرقان في الحشيش والعاجز أمام زوجته، وعامل الكهرباء 2 فاز حجاج عبد العظيم الذي يتحرش بها، بل ويقيم علاقة معها، تكون ثمرتها طفل، يفرح به زوجها، كإشارة للشرعي وغير الشرعي، في حين يصول ويجول المخبر عبدو (سامي العدل)، فيتحكم بأهل الحارة، في ظل ممارساتهم غير القانونية، من خلال تراخيص مزورة.
وقد لخصت حسنة منظومة الفساد العام، مبررة ما يفعله المخبر بهم، على أكثر من مستوى، فالمخبر (رمز حكومي) يريدهم غير أسوياء أصلاً حتى يستغلهم، لذلك تصف حسنة الحال في الدقيقة 110: «الحكومة مفوتة بمزاجها، احنا معيوبين، احنا مش عدلين، البيوت أونطة الكهرباء والمي بورق مضروب، مفوتة بمزاجها علشان نمشي جنب الحيط احنا غلابة». وهي تتحسر على تغير الزمن، حتى الرجولة والفحولة لم تعد كسابق عهدها.

«في ناس كدة!»
يظل فرحان تحت سطوة المفاجأة من تحولات المجتمع في المدينة، فهو مصدوم بهم، وهم مصدومون به، وكل من منطلقه. تزهد صاحبة البيت بعلاقتها بالمخبر، الذي يظهر عجزه، وحين يعنفها يقف له فرحان، فيترك المكان مذلولاً، ورغم ذلك يستمر في التهديد. وحينما يكيد المخبر للمحصل فرحان ببعث من يضربه، ويسرق ما جمعه من بيع تذاكر ذلك اليوم، وخوف السائق من كشف الحقيقة، تكيد حسنة للمخبر، فتوقع به، حيث تستدرجه إلى البيت، بالاتفاق مع نسوة الحيّ، فما أن يتعرى حتى تفضحه، فيشمت أهل الحي خصوصاً أنهم يعرفون أنه هو من قام ببعث من يضرب فرحان ويسرقه. ولعل الرمزية هنا واضحة، في نقد المنظومة وتعريتها على حقيقتها.
وقد توّج الفيلم نقده العميق والشجن لحالة مجتمع الحوش بأغنية «نازل ع المزار»، التي غناها فتحي عبد الوهاب، لكن لم أعثر على اسم كاتب النص، سوى أنه من الفولكلور، حيث يكون للربابة وقع خاص.
خلال الأغنية، نجح المخرج في التركيز على إيحاءات العيون، وكشف النفوس، مثل براءة البنت فتنة، الزوجة الخائنة، ونظرة «2 فاز» اعتراف وندم، ورغم ذلك ما زال على طريقه برضاها، واكتشاف حسنة لفرحان، حيث تظهر مفارقات الخير والشر (الوشوش):

بداية جميلة جداً:
«نازل ع المزار اسقي ريحان الحي
واجني من بياضه ريحان وماله زي
وامشي ولا أرقد تحت ضله وضي»
وهنا ينظر بعدم رضا تجاه زوجة إسماعيل العاجز بعد أن صار ينتبه خلال إقامته في الحوش:
«دنا طرحي بشاير والكل طمعان فيّ»
ثم ينظر بشجن تجاه «فتنة» التي تجلت فيها القيم الجميلة والبراءة والجمال والإنسانية:
«آه لو ألاقي أم العيون غزلان
راسم ليكي صورة وطالعة بالألوان
دنا فيكي وفيكي آه أنا عطشان
اسقيني عشان كيفي أعيش ولهان»
ولأنه عرف أخيراً ماذا يحدث في الحوش، الذي يجمع الخير والشرّ، فإنه ينظر تجاه من ينطبق عليهم المعنى، (الأغبر والطاهر البشوش):
«واه أه يا صحبة وجامعة كل وشوش
بوز أغبر وبوز طاهر حلو وبشوش»
وأخيراً، يؤكد على أنه حقيقي غير مغشوش، ويصعب عليه البقاء هنا، وكأنه قد فقد الأمل في هؤلاء المغبرين، واختار أن يقف هنا ولا يكمل، بدلالات معنى «كعكع» أي احبس الكلام:
«سيبني ياض أدندن أنا مش مغشوش
كعكع ع الكلام واتكيفه في الحوش»