عبد المجيد سويلم - النجاح - لم تفصح إسرائيل حتى الآن عن موقفها من الانتخابات الفلسطينية التي ستُجرى، أو يفترض أن تُجرى في الشهر الخامس من هذا العام، ولا حتى عن موقفها من إجراء هذه الانتخابات في مدينة القدس بصورة رسمية وحاسمة.
أغلب الظن أن هناك ما يشبه «التعليمات» صادرة عن الجهات الرسمية بعدم التعرض المباشر للموقف الإسرائيلي من هذه الانتخابات، باستثناء تناقل الأخبار المفبركة والمدسوسة، وباستثناء ترويج الإشاعات الهادفة التي «تستند» إلى بعض الوقائع المتناثرة هنا وهناك في الواقع الفلسطيني.
إضافة إلى فرضية وجود مثل هذه التعليمات فعلاً، فإن وسائل الإعلام الإسرائيلية قد غرقت في العقد الأخير كله، إذا لم نقل أكثر في مستنقع العنصرية السافرة حينما يتعلق الأمر بحقوق الفلسطينيين وانتهاكها الصارخ من قبل منظومات الاحتلال ومؤسساته الأمنية بكل أذرعها، ومن قبل عصابات الاستيطان والإجرام على اختلاف أشكالها وأنواعها ونشاطاتها.
في بعض الأحيان يشعر المرء وهو يتابع ما تتناوله وسائل الإعلام الإسرائيلية أن هناك ما يفوق التعمد والإصرار على تهميش الخبر الفلسطيني في هذه الوسائل حتى تبدو الأمور وكأن الشعب الفلسطيني يعيش على بعد آلاف الكيلومترات من إسرائيل..!
تجاهل وإغفال تام وتجريد الفلسطيني، كل فلسطيني من إنسانيته بصورة كاملة، وتصويره إما بالمخرب أو الإرهابي، المتخلف أو الجاهل، المزعج الذي «ينكّد» على الإسرائيليين صفاء العيش ورغد الحياة.
لا يمكن إنكار بعض الاستثناءات الشجاعة، وبعض الاهتمامات النبيلة وبعض المقالات والتقارير الموضوعية كما لا يمكن أن ننكر أبداء بعض المبادرات التي تتصف بالتفوق الأخلاقي في التصدي للعنصرية والعدوانية والتوسعية الإسرائيلية النابعة من عنصرية وعدوانية المشروع الصهيوني.
أقصد أن وسائل الإعلام الإسرائيلية وفي ظل انجرافها التام مع أفكار وأيديولوجية وسياسات اليمين بما في ذلك اليمين الفاشي والأشد عنصرية في إسرائيل لم تعد تحتاج إلى تعليمات خاصة، لأنها في الواقع ومن موقع تبعيتها في غالب الأحيان لليمين الإسرائيلي تمارس على نفسها ما يكفي ويزيد ويفيض من «الرقابة» المطلوبة، و»الحرص» الضروري إما بالتجاهل والتهميش أو بالتضليل والتزوير.
ودون أن يحرق الفلسطيني حياً، أو يعدم على قارعة الطريق جهاراً نهاراً، ودون سبب من أي نوع، فإنه لن يحظى بخبر في وسائل الإعلام «المهنية» في إسرائيل.
وأقصد، أيضاً، أن تجاهل الانتخابات وإغفالها في الإعلام الإسرائيلي، وتحديداً كعملية ديمقراطية فلسطينية، وليس كأخبار متناثرة ليس صدفة، وإنما هو انعكاس للواقع المتردي أخلاقياً ومهنياً لوسائل الإعلام الإسرائيلية والتي تعتبر نفسها وسائل إعلام «ديمقراطية وموضوعية».
وبالعودة إلى حقيقة الموقف الإسرائيلي من الانتخابات الفلسطينية كعملية وطنية ديمقراطية، فإن هذا الموقف يمكن تكثيفه بالآتي:
أولاً، ومن حيث المبدأ فإن إسرائيل تفضل أن لا تتم أي انتخابات من أي نوع كان، لأن بقاء الأمور على ما هي عليه فيه مصلحة صافية لإسرائيل، إن كان على صعيد «واقع الانفصال» القائم لقطاع غزة عن الضفة، أو واقع العزل الكبير لمدينة القدس عن الضفة، وعلى صعيد تنازع «السلطات» الفلسطينية على النفوذ، بل والتنازع على التمثيل السياسي نفسه.
ثانياً، إذا كان لا بد من إجراء هذه الانتخابات، ولم تتمكن إسرائيل من منعها دون ثمن سياسي كبير أو باهظ، فإنها ستحرص كل الحرص على منعها في القدس بكل الوسائل والسبل، وهي ليست في ظروف احتدام الصراع الانتخابي بحاجة إلى فتح «موّال» القدس إلا لجهة تكريس المدينة «كعاصمة موحدة لإسرائيل»، وليس لها مصلحة بأن تتم إعادة وضع المدينة في دائرة الشك والريبة على هذا الصعيد.
ثالثاً، إذا فشلت هنا أيضاً ولو جزئياً فإنها ستحرص على أن تقوم بكل ما هو مربك للتصويت الفلسطيني في المدينة المقدسة، وبحيث لا تبدو العملية الانتخابية فيها انعكاسا لموقف وطني فلسطيني واحد وموحد في مواجهة سلطة الاحتلال، أو بما يشي ويشير إلى الولاء السياسي الوطني للمقدسيين للسلطة الوطنية ومؤسساتها.
رابعاً، بالنسبة للانتخابات في الضفة والقطاع فإن إسرائيل تحتاج إلى أن تكون هذه الانتخابات، وتخطط أيضاً بحيث تتحول إلى مرحلة جديدة من الصراع والتنافس، وبما يفضي من وجهة نظرها إما إلى إعادة تكريس الواقع القائم أو حتى تجاوز عملية التكريس نحو مرحلة من الانفصال النهائي في ضوء معرفة إسرائيل بأن مثل هذا الخيار له أنصاره ومؤيدوه ومشجعوه في الواقع الفلسطيني نفسه، وكذلك له من هو مستعد للانخراط التام في الخطة الإسرائيلية إذا لزم الأمر وبصورة مباشرة.
رابعاً، تراهن إسرائيل وهي تحاول «استثمار» الانتخابات إذا لم تتمكن من منعها على ضرب وحدة حركة فتح ومحاولة التأثير على وجود قائمة فتحاوية واحدة لكي تصل في النهاية (كما ترى وتخطط) إلى خلق ولاءات حزبية وعشائرية مناطقية وجهوية من شأنها أن تخدم الخطة الإسرائيلية بخلق أو المباشرة بمشروع الولايات الست أو السبع التي تفكر بها لتصفية المشروع الوطني القائم على قيام الدولة الوطنية المستقلة.
خامساً، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع حركة «فتح»، وسواء اختلفنا معها أو عليها، فإن تفتيت «فتح» يعني بالضرورة تفتيت وبعثرة الأهداف والحقوق الوطنية إن لم يكن بسبب دور «فتح» على هذا الصعيد، فبسبب قوتها كتنظيم موحد يجمع في صفوفه عشرات الآلاف من الأعضاء والكادر، وبسبب دور ومكانة «فتح» في النظام السياسي الفلسطيني، وبسبب شرعية المنظمة، وكونها أصبحت جزءاً من القانون الدولي، وأهمية ومركزية «فتح» في كامل هذه المنظومة.
هنا تعتبر إسرائيل أن الحلقة المركزية في مخططها هو لبننة الحالة الوطنية العامة وصوملة الوضع في الضفة، وهي تراهن على ما يبدو على «نجاح» خطتها على هذا الصعيد، وهي تعي أن تراجع فتح في الحالة الوطنية يعني بالضرورة خلخلة النظام السياسي الفلسطيني، وتجاوز القدرة الفلسطينية في الفعل والتأثير في المجالين الإقليمي والدولي على حد سواء.
ولا يعتبر هذا الفهم أو الاستنتاج أي شكل من أشكال التقليل من شأن ودور وأهمية القوى الأخرى، وإنما لأن كافة القوى الأخرى لا تملك نفس الأهمية والدور والمكانة التي تمتلكها فتح، ولا تستطيع أن تلعب الدور الحاسم في هذه المهمة الكبيرة إما بسبب اختلاف الفكرة والموقف والمنهج بالنسبة لحركة مثل حركة حماس، أو لاختلاف الدور والقدرة بالنسبة لليسار وخصوصاً المكانة الجماهيرية.
سادساً، وأخيراً لا تريد إسرائيل أن تظهر فلسطين بأي حلة ديمقراطية من أي نوع لأن وسائل الإعلام الإسرائيلية تصور ليلاً ونهاراً إسرائيل واحة الديمقراطية الوحيدة، وأن فلسطين خارج نطاق حسابات العقل الصهيوني على هذا الصعيد.
أراهن على أن هذه النقطة الأخيرة تقض مضاجع العنصرية والفاشية أكثر من أي مسألة أخرى، لأن فلسطين الديمقراطية تنسف كل الخرافات والأضاليل والكميات الهائلة من التزوير التي تمارسها وسائل الإعلام الإسرائيلية على الإسرائيليين.
 

 

عن صحيفة الأيام