عبد الغني سلامة - النجاح - بعد كل هذه السنين الطويلة من عمر «فتح» تبرز الأسئلة الكبرى: ماذا حققت الحركة؟ وأين أخفقت، ولماذا؟ وهل تلاشت فعلاً (كما نسمع كل عام، منذ 1982)؟ ولم يعد منها قائماً سوى «ذكريات بطولة» في طريقها للنسيان؟ وإرث حفنة من القادة التاريخيين صاروا مجرد «بوسترات»، ربما لا يلتفت إليها أحد؟ هل فتح اليوم، هي نفسها فتح الانطلاقة؟ وأسئلة أخرى كثيرة لا يخلو بعضها من المكر.
إذا عدنا بالزمن إلى مرحلة ما قبيل الانطلاقة، سنجد أنّ ما كان معداً للفلسطيني، هو أن يكون الهندي الأحمر، وأن تُطْوى قضيته للأبد.. في ذلك الزمن الصعب والكئيب، كانت فلسطين تمر ُّفي واحدة من أسوأ لحظاتها التاريخية؛ كانت أجواء النكبة والهزيمة تهيمن على الناس، وتدفعهم لليأس، كان حُلم أغلب الشباب السَّفر للكويت للحصول على فرصة عمل، أو الهجرة إلى فنزويلا وأميركا، فيما كان النشطاء يفنون شبابهم في خلافات الأحزاب القومية واليسارية والإسلامية.
في المخيمات كان جُلّ همّهم توفير «مرحاض»، وانتظار مندوب الوكالة للحصول على «بكجة»، و»سلّة المؤن»، في بعض مخيمات لبنان كان شرطي الدرك ينكّل بالعائلة بأكملها، ويجلد الأم أمام أبنائها دون أن يكون بمقدورهم عمل شيء، سوى النحيب.
ببساطة، كان الواقع ينـزُّ بؤساً، والمستقبل كان معتماً ومجهولاً، لكن الانطلاقة ستخلق واقعاً جديداً ومختلفاً؛ فمنذ أن أعلنت فتح عن الرصاصة الأولى حتى غطت غيمتها سماء فلسطين، بعد أن أنهكها الظمأ والـمحْـل، في سنواتها العجاف، ثم من بعدها انهمر المطر.. في هذا المنعطف المفصلي تحديداً ستصوّب فتح مسار حركة التاريخ، باتجاه الزمن الفلسطيني الجديد؛ حيث جاءت انطلاقة فتح كالصاعقة التي أضاءت ليل فلسطين، في أشد ساعاتها حلكة، ففي آخر ليلة مظلمة من العام 1964، توجهت ست مجموعات فدائية مسلحة إلى عمق الأرض المحتلة، ولديها تعليمات من القيادة بتفجير سد عيلبون، قاد إحدى المجموعات الشهيد حسين الدلكي، وقد ساعدته شقيقته الأخت المناضلة حمامة الدلكي، التي حملت على رأسها متفجرات تزن 25 كغم، لمسافة تزيد على الميلين، ولولا حمامة وأخوها ورفاقه لما كانت هناك انطلاقة وتفجير للنفق.
كانت اللجنة المركزية تتابع من الكويت ودمشق، فيما كان أبو عمّار، وأبو جهاد يتابعان عن قرب وبشكل مباشر، وكانت كلمة السر «انتظروا ضوء القمر».. لإذاعة بيان العاصفة الأول.
وبالفعل، في تلك الليلة الفارقة لمع برقٌ في سماء فلسطين، ولاح ضوء القمر، الذي أضاءه دم «أحمد موسى»، أول شهيد للثورة الفلسطينية، حيث استشهد في طريق عودته، بعد أن زرع العبوة الناسفة أسفل السد، وزرع معها الأمل في قلوب الفلسطينيين والعرب.
بعد الانطلاقة، تحول الفلسطيني من مجرد لاجئ إلى فدائي، بعد أن تسلح بالأمل والكلاشنكوف، وصارت له ثورة، وبات بمقدوره أن يصمد، وأن يواجه، بل وأن يسقط كل مخططات التصفية.
اشتبكت فتح مع العدو في كل مكان؛ هاجمته من البحر والبر، وواجهته على الحدود، وفي القرى والمخيمات، وفي عواصم عالمية، وفي قلب تل أبيب، وعلى مدخل مفاعل ديمونا.. بالكلاشن، والحجر، والمولوتوف، وأخيراً بشتلة زيتون.
أدركت فتح منذ البداية أن الهوية السياسية للشعب الفلسطيني هي حجر الزاوية في معادلة الصراع، وأن إثبات حضورها هو ضمان بقاء القضية حاضرة في الضمير العالمي، وفي النظام السياسي الدولي.. إبراز هذه الهوية كان إنجاز فتح الأهم، لكن فتح لم تكتفِ بذلك؛ إذ جعلت من الثورة المسلحة الوجه الثاني للهوية الوطنية، وبهذا التماهي صارت فتح (ومن خلال م.ت.ف) هي الإطار الجامع لتناقضات الشعب الفلسطيني برمتها من ناحية، ورأس الرمح الموجه مباشرة إلى قلب المشروع الصهيوني من ناحية ثانية.
لم تكن فتح حزباً بالمعنى التنظيمي؛ بل كانت «جبهة وطنية»، تضم كل ألوان الطيف السياسي والفكري للشعب الفلسطيني، وهذا أحد أسرار قوتها التي ميزتها عن بقية الفصائل، حيث تجد فيها اليساري، واليميني، الإسلامي والعلماني، البرجوازي والكادح، المفكر والطوبرجي.. بل إن أي فلسطيني يرى انعكاس صورته فيها دون الحاجة لملء استمارة عضوية.
ليس لدى فتح ثوابت سياسية مقدسة؛ فقد غيرت خطها السياسي أكثر من مرة، وهذا سر آخر لقوتها، ففي عالم متغير، ومنطقة تتوالد فيها الأحداث بسرعة فائقة، وفي ظل نظام دولي يسحق كل من لا يفهمه، لم يكن لدى فتح من خيار سوى البراغماتية والواقعية السياسية.
وليس لدى فتح أيديولوجية معينة، ولا منهج فكري متزمت، ولا تُلزم أعضاءها بأي خط سوى فلسطين: بوصلة، وهدفاً، ومعياراً.. وهذا سر جماهيريتها.
لم تسلِّم أوراقها لأي دولة في العالم، وقدمت خيرة شهدائها للحفاظ على القرار الوطني المستقل، ولم تدخل لعبة المحاور الإقليمية، وهذا ما جعلها الحركة التاريخية للشعب الفلسطيني، التي حمت القضية من مخاطر الاحتواء والوصاية والتبعية.
ليس لدى فتح أجندات خارجية، ولا مشاريع عابرة للقارات. لها هدف واحد ووحيد هو تحرير فلسطين، وعدو مركزي لا تُغلّب عليه أي تناقض آخر هو الاحتلال.
لا تؤمن بالعنف إلا إذا كان في سياق برنامج سياسي مقاوم. لذلك لم تقامر بمصير الجماهير، ولم تدخلهم في مغامرات عسكرية مجنونة.
ورغم أن البعض يصنفها على اليمين؛ إلا أنها لا تساوم على الديمقراطية والمساواة وبناء المجتمع التقدمي القائم على الحرية والعدالة الاجتماعية، المنفتح على الإنسانية.
والبعض ربطها بالبرجوازية، بيد أنها ضمت الفئات الأكثر فقراً وكدحاً، أكثر من أي حزب عمّالي.. وهذا ما جعلها حامية المشروع الوطني.
ورغم أنها الحركة الوطنية للشعب الفلسطيني، إلا أنها ظلت حريصة على عمقها العربي والإسلامي وامتدادها الأممي. ولأنها المشروع المقاوم ضد الصهيونية والعنصرية والاحتلال والظلم بكل أشكاله، ستجد كل أحرار العالم وشرفائه مناصرين لها، ومؤيدين لكفاحها الوطني والإنساني.
فتح هي التي فجرت الثورة، وأطلقت الكفاح المسلح، وهي التي نظمت وقادت انتفاضتين، وهي اليوم في خضم المقاومة الشعبية، وهي التي خاضت مغامرة «أوسلو» بكل ما فيها من نواقص ومثالب، وكوارث، وهي التي مهدت لقيام السلطة الوطنية، بكل ما عليها من ملاحظات وسلبيات، وقادتها في مرحلة بالغة الدقة والصعوبة شهدت الانهيار العربي وتفرد الإمبريالية العالمية بالمشهد السياسي الكوني، ورغم ذلك وضعت فلسطين على أعتاب الدولة، وبدأت تنتزع اعتراف العالم بها دولة بعد أخرى.