نابلس - النجاح - الإيمان بالخالق مسألة فطرية، تضرب جذورها عميقاً في تاريخ الإنسان، حتى أن البعض عرّف الإنسان بأنه «كائن ديني»، أي أنّ ما يميزه عن سائر المخلوقات إيمانه بمعتقدات دينية. في المراحل المبكرة من تاريخه، سيطر الإيمان بالسحر، والانبهار بقدرات السحرة الخارجة عن المألوف على قلبه، ثم بدأ في مراحل لاحقة يؤمن بقوى ما ورائية تسيّر قوى الطبيعة، فاعتنق الديانات التعددية، فاختارت كل مجموعة إلهاً خاصاً بها، كانت تعتقد أنه الخالق المدبر، أو بوساطته تتصل مع الإله الأعظم، إلى أن اهتدت للأديان التوحيدية. بيد أن مجتمعات أخرى في الوقت الراهن حولت إيمانها الديني إلى إيمان بقيم أخرى، مثل العمل، الحب، العلم، الإنسانية.
لكن الإيمان لم يبقَ عند مستوى التأمل، والتصوف، والابتهال، والتعبد فانتقل من المستوى الفردي إلى الجماعي، فصار المعتقد الديني سمة بارزة تحدد هوية كل جماعة، وسرعان ما صار الدين جامعاً قومياً أو إثنياً، يميز الجماعة عن الجماعات الأخرى، وصار سبباً للصراعات، وأداة سياسية، تستخدمها النخب الحاكمة، للسيطرة على المجتمع، ومبرراً لغزو الآخرين.
بهذه التحولات، فقد الدين سماته الروحية السمحة، وتحول إلى طائفة، حتى أن الدين الواحد صار يفقس طوائف متعددة، ومتناحرة؛ حيث في كل مرة ستظهر من داخل الطائفة ومن خارجها قوى عديدة تغذي التعصب الطائفي، وتجعل كراهية الطوائف الأخرى شرطاً لإثبات حب الطائفة.
كان الدين للمناجاة، والصلاة، والدعاء، والاتصال مع «العالم الجواني»، لتهذيب النفس، وتنظيف الروح من أدرانها، وتخليصها من شقائها وعذاباتها، والوصول إلى الصفاء الذهني والنقاء الوجداني. ثم صار أداة سلطوية لإعادة هندسة المجتمع، والتحكم بالأفراد، وتعزيز الفرز الطبقي، والحفاظ على وجود ومصالح الطبقة الحاكمة، وحلفائها..
فقد صاحب التطورات السوسيولوجية لكافة الأديان ظهور طبقة من رجال الدين (الكهنوت)، تتحدث باسمه، وتدعي تمثيل الإله، وتحتكر تأويل نصوصه، وتعيد إنتاجها بعد أن تضفي عليها القداسة، بحيث تمزج قداسة النص مع شخوص منتجيها، طبعاً بِصلة وثيقة مع السلطة الحاكمة.
بتحول الدين من المستوى الفردي إلى الجماعي، صار التدين عند الكثيرين عبارة عن طقوس اجتماعية، أو عادات فردية.. فمثلاً قد تجد المؤمن يؤدي الصلاة، دون خشوع، ودون إحساس حقيقي أنه بين يدي خالقه، يستحضره في داخله، ويكلمه مباشره، أو يذهب للجامع أو للكنيسة، لأن معظم أفراد المجتمع يقومون بذلك.
هذا التحول نشأ عنه ظاهرة «التدين الشكلي»، والتي ستحدث في صاحبها تغيرات نفسية وتمظهرات اجتماعية عديدة:
التغير الأول: تقديم تنازلات شخصية، منها تقييد حريته الشخصية للتكيف مع المجتمع (المتدين) من حوله، وتقييد حرية تفكيره، أو إلغاء عقله، ولا أقصد هنا التسليم بالغيبيات، أو الخرافات، بل المقصود تأجير عقله لرجل الدين، الذي سيفكر عنه، وسيقرر بالنيابة عنه، وسيحدد له خياراته الشخصية واتجاهه الفكري، حتى لو كان هذا الرجل ميتاً منذ مئات السنين.
التغير الثاني: تحوله من شخص مؤمن، روحاني، متصالح مع نفسه إلى داعية ومنظّر أيديولوجي.. ومن شخص متسامح، محب للآخرين إلى ناشط يريد فرض توجهاته الدينية على محيطه، وعلى من هم حوله، فيتدخل في شؤونهم الخاصة، ويكشف على قلوبهم، ويحكم عليهم. ومن شخص منسجم مع ذاته، ومقتنع بأفكاره مبقيها خياراً ذاتياً إلى داعية يسعى لنشر أفكاره بشتى السبل حتى لو بالقوة. ومن ناسكٍ وُجودي، متعبد، يبحث عن خلاصه الروحي، إلى ناشطٍ سياسي تؤرقه السياسة، ومن صوفي متأمل لعالمه الداخلي إلى فاحص ومفتش عن أخطاء المجتمع.. ومن محاولاته تهذيب نفسه والارتقاء بها وتغيير شخصيته للأفضل، إلى ساعٍ لتغيير المجتمع، بل والعالم بأسره، وهذا بالضرورة يتطلب أدوات وأساليب قهرية وعنيفة.
التغير الثالث: تحوله من إنسان حر، محلّق، مبدع إلى سجين للجماعة التي ينتمي إليها، والهيئات الاجتماعية التي يعمل معها، أو للسلطة السياسية التي تسيره بصفته عضواً فيها (الجماعة، أو الطائفة، أو الحزب)، ومن ضمن ممتلكاتها. أي فقدانه فردانيته وخصوصيته وتميزه لصالح الجماعة والمجتمع والسلطة، أي بعبارة أخرى تحوله من فرد حر مفكر إلى شخص منقاد، وجزء من قطيع.
التغير الرابع: تفريغ الدين من مضامينه الإنسانية الحضارية والسمحة، والانحراف عن رسالته الأخلاقية، وعدم الالتزام بجوهره الحقيقي، والاكتفاء بالمظاهر الخارجية، والاختيار من الدين ما يناسب المصالح الشخصية، ويتوافق مع الأهواء.
التغير الخامس: تغير فهم الدين من كونه هبة الله إلى البشر، ليكون أداتهم في خلافة الأرض وتعميرها، وطريقهم إلى السعادة والتعايش، وأسلوبهم الصحيح للحياة بأفضل وأرقى معانيها، ورسالتهم التي من خلالها يجدون جدوى لوجودهم، وقيمة لحياتهم، وأداة لخدمتهم وخلاصهم.. تحوله من كل هذه المعاني والقيم إلى غاية بحد ذاتها. فعوضاً عن فهم الدين باعتباره وسيلة الاتصال بالخالق، ومناجاته، وأنه وجد أصلاً لخدمة الإنسان ورفاهيته وسعادته.. يصبح الدين هو الهدف، ويصبح الإنسان مكرساً لخدمة الدين، أي يصبح أهم وأولى من الإنسان نفسه.
وهنا تصبح مهمة المؤمن حماية الدين، وكأن الله بحاجة العباد ليحموا دينه! ونشر الدين بالقوة، علماً أن الله قال في محكم التنزيل: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ». (يونس: 99)
هذا الخلط الخطير في فهم مكانة الدين ورسالته، أصاب أيضاً الأيديولوجيات العلمانية، وأصاب الأحزاب الشمولية، فبدلاً من خدمة الحزب للمجتمع والإنسان، صار على المجتمع والإنسان خدمة الحزب وقيادته، كما تحولت المقاومة من وسيلة إلى غاية، ومن أداة لمواجهة العدو إلى أداة لقهر المجتمع.
وهكذا صار «التدين الشكلي» وسيلة الأفراد للتحايل على الآخرين، واختراق القانون، وأداة تعويضية تعفيهم من عذاب الضمير، كما صار «الدين السياسي» وسيلة الأحزاب السياسية للظفر بالسلطة، وأداتهم في الصراعات السياسية.
هذا لا يعني أبداً أن كل مؤمن «متدين شكلي»، فنحن لا نكشف عن القلوب، وليست مهمتنا إصدار الأحكام، والمقال لا يتحدث عن الدين نفسه، بل عن الفهم الاجتماعي له، والتأويلات والتطبيقات البشرية للدين.