أنور رجب - النجاح - في إطار الحديث حول اتفاق التطبيع الاماراتي – الاسرائيلي تتعدد المسارات والسياقات التي تمر فيها التحليلات والآراء التي تتناول هذا الاتفاق، كما تختلف النوايا والأهداف المراد الوصول إليها تبعاً للموقف الذي يتبناه كل من يكتب في هذا الأمر سواء كان رافضاً أو متحفظاً أو موافقاً، ولكن ما يُلفت النظر هو أن العديد من هذه الآراء والتحليلات تستند إلى مقارنات ومقاربات تبدو في ظاهرها وكأنها نابعة من قراءة واقعية وموضوعية يشغلها الهم الوطني، لكنها في حقيقة الأمر لا تعدو عن كونها محاولة لذر الرماد في العيون تهدف إلى تسويغ وتسويق هذا الاتفاق بطريقة لا تخلو من الخبث والتدليس "دس السم في العسل".

من ضمن تلك المقاربات هو الحديث عن تراجع القضية الفلسطينية، وأنها لم تعد القضية المركزية في الاجندة العربية والدولية، وأن هناك كوارث ونزاعات وصراعات في هذا العالم تحظى بالأولوية عن القضية الفلسطينية، وأن لدى الأشقاء العرب من مشاكل وأزمات وتحديات ما يشغلهم عنا ويجعلهم ينحازون لمصالحهم، وبهذا لم تعد القضية الفلسطينية قضية العرب الأولى، وهذه قراءة بلا شك في محلها، ولكن كيف نفهمها وكيف نتعامل معها وكيف نوظفها هو المهم، البعض يسوقها في اطار تبرير مواقف انهزامية ونفعية، وكان يريد القول أن المطلوب فلسطينياً وفق هذه المقاربة أن نعيد رسم سياساتنا تبعاً لاتجاه عقارب الساعات العربية والساعة الإماراتية تحديداً كون عقاربها الأعلى ضجيجاً في هذا الوقت، وهذا أمر لا يمكن القبول به أو السكوت عنه خاصة وأن تلك العقارب تدور باتجاه تطبيق صفقة القرن، وإعادة رسم المنطقة على حساب القضية الفلسطينية بما يخدم الاستراتيجية الاسرائيلية – الأميركية بالتعاون مع الإمارات حسب ما يُفهم ضمناً من بنود الاتفاقية الثلاثية المعلن عنها، وقد كان من الممكن فلسطينياً تجاوز الالتزام الاماراتي للمبادرة العربية للسلام في توقيعها لهذا الاتفاق لو أعلنت بشكل واضح أن ذلك يأتي في اطار احتياجات ومصالح دولة الإمارات دون أن تستخدم القضية الفلسطينية مطية ومظلة لهذه الاتفاقية، ودون أن تكون تلك المصالح على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والمتاجرة بها ودون القفز عن م.ت.ف الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وفي هذا السياق لابد من التذكير أن القضية الفلسطينية سبق ومرت بظروف أقسى وأكثر تعقيداً عربياً ودولياً، ولطالما تمكنت القيادة الفلسطينية من أن تتجاوزها وتحافظ على الثوابت الفلسطينية وتحافظ على جذوة النضال الوطني الفلسطيني متقدة ومتوهجة، ولم تقبل التعاطي مع مواقف وسياسات لا تخدم القضية الفلسطينية، والقيادة التي رفضت الخنوع لا بل وأعلنت تحديها لأقوى دولة في العالم ولرئيسها الأكثر غطرسة، لا يمكن أن تهادن من يرتجف وترتعد فرائضه عند الوقوف أمامه صاغراً وصغيراً.

المقاربة الأخرى تأتي في سياق لوم الشعب الفلسطيني وقيادته على الرفض والغضب الذي أبدوه اتجاه اتفاق التطبيع وتوابعه، "والهجوم بدون كوابح" كما سموه على الإمارات، وحرق صور محمد بن زايد من قبل الشباب الفلسطيني الغاضب ولكن ليس علم الإمارات كما يدعون، ومطالبين وبنبرة لا تخلو من الشماتة والخسة والنذالة بالاستعداد لجولات غضب وحرق صور أخرى لأن قطار التطبيع ينطلق بسرعة البرق في المنطقة وسنجد أنفسنا لوحدنا بدون أي غطاء عربي حسب ما يزعمون، وتهدف هذه المقاربة فيما تهدف إلى تبرير خيانتهم وتأييدهم للإتفاق، والعمل أيضاً على بث الاحباط واليأس وروح الهزيمة في صفوف الشعب الفلسطيني، وتحريضه على قيادته التي كشفت بمواقفها الصلبة عورات وخيانة الكثير من المطبلين والأرزقية وأصحاب المشاريع الوهمية الحالمة. والسؤال هنا، حتى لو ذهبت دول عربية أخرى باتجاه التطبيع، هل يعني ذلك أن المطلوب من الشعب الفلسطيني وقيادته أن يتساوقوا مع ذلك ويباركوه؟

أما المقاربة الأكثر سخافة وسذاجة وهي الترويج لسياسة "جلد الذات"، ومنح المبررات للمطبعين والمطبلين من خلال الحديث أن القضية الفلسطينية فقدت الكثير من هيبتها ومن مكانتها في نظر الشعوب والدول بسبب انقسامنا وتشرذمنا واقتتالنا وانشغالنا في مناكفة بعضنا، وبالتالي فكل ما نعانيه هو حصاد الآثام السياسية التي ارتكبناها، وليس بفعل التآمر علينا. وبالرغم من بعض الوجاهة وسوء النية والمقصد، لكن وجب القول ان الانقسام الحاصل هو في جزء منه بفعل تغذية اسرائيلية بغطاء بعضه عربي وبعضه إسلامي، واستمراره حتى الآن في جزء منه هو نتاج تغذية عربية وإسلامية ولحكام الإمارات نصيب فيها، كيف ولا وقد احتضنوا فئة ضالة ومنحوها التمويل والغطاء السياسي للعبث بالساحة الداخلية الفلسطينية بهدف كسر حركة فتح والمشروع الوطني لصالح مشروع صفقة القرن، كيف لا وقد حاولوا ابتزاز القيادة الفلسطينية بأموالهم لفرض رجالاتهم على الشعب الفلسطيني. أما الحديث عن الفشل في اقامة مؤسسات دولة قائمة على الشفافية والنزاهة، وبالرغم من كل ملاحظاتنا في هذا الشأن إلا أن الحقيقة الساطعة أن السلطة الوطنية قد قطعت مسافة كبيرة في وضع الأسس والهياكل الضرورية لمؤسسات صلبة وقوية للدولة الفلسطينية، وما زالت هذه العملية في طور التطور يوماً بعد يوم، مع الأخذ بعين الإعتبار أن تعقيدات وقيود الاحتلال واحدة من الأسباب المركزية في بطئ هذه العملية، وبالرغم من ذلك فإن مساحات الحرية والديمقراطية وصون كرامة وحقوق الانسان تجاوزت بمراحل المشيخات التي يطبلون لها.

 ومن ضمن المقارنات التي يعقدها البعض في محاولة لتشويه الموقف الفلسطيني الرافض للاتفاق الثلاثي وإظهاره وكأنه استعداء لدولة الإمارات، فهو عمل مقارنة ساذجة تحت عنوان "التطبيع المقدس والتطبيع المدنس، أو التطبيع الحلال والتطبيع الحرام، أو التطبيع الحلو والتطبيع المر" بين موقف القيادة الفلسطينية من العلاقات الاسرائيلية – القطرية من جهة، واتفاقية التطبيع بين اسرائيل والإمارات من جهة أخرى، واعتبار أن القيادة تصمت على التطبيع القطري وتحابيه، في حين تهاجم التطبيع الاماراتي. وليس دفاعا عن سياسة قطر أو التقليل من تأثيراتها السلبية على الواقع الفلسطيني وتحديداً في موضوع الانقسام، إلا أنه يجب الإشارة هنا أن سياسة م.ت.ف والقيادة الفلسطينية قامت وما زالت على سياسات غاية في الدقة في تعاملها مع محيطها العربي، وهذه السياسة تحددها معايير واضحة من ضمنها عدم التدخل في شؤون الدول العربية وفي نفس الوقت عدم تدخلها في الشأن الفلسطيني الداخلي، وأن م. ت. ف هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ولا يسمح بتجاوزها من أي كان، واحترام السياسات الخارجية للدول العربية ومراعاة مصالحها، وعدم مطالبة الدول العربية بما هو أكبر من طاقتها، وهذا ما عبر عنه الرئيس ابو مازن أكثر من مرة قائلاً "نحن لا نريد من اشقائنا العرب سوى أن يقولوا نقبل بما يقبل به الفلسطينيون"، وفي هذا السياق مرت العلاقة الفلسطينية مع بعض الدول العربية في محطات معقدة، ولكن حافظت القيادة الفلسطينية على بقاء شعرة معاوية معها، ومثال لذلك العلاقة مع النظام السوري في عهد الأسد الأب، وهو ما يجري الآن مع قطر، خاصة وأن قطر لاعب مهم في الإقليم وفي الساحة الفلسطينية، ولا يوجد قطيعة بينها وبين القيادة الفلسطينية، والاتصالات والمشاورات لم تنقطع، ولم تشارك قطر على أقل تقدير في احتفال الاعلان عن صفقة القرن، وأعلنت موقفاً متوازنا سياسياً منها، بينما ذهبت الإمارات بعيداً في قطيعتها مع القيادة الفلسطينية، وابتزازها بالدعم المالي مقابل فرض رجالاتها على الشعب الفلسطيني، وتبنيها وانخراطها في تنفيذ صفقة القرن، وهذا وغيره ما يدعو للحفاظ على شعرة معاوية في العلاقة مع قطر وغيرها من الدول، أما بالنسبة لتركيا فاعتقد أنها مقارنة في غير محلها خاصة وأن تركيا تقيم علاقات رسمية مع اسرائيل منذ عام 1949.

وخاتمة القول، هو أن العلاقة مع أي دولة عربية كانت أو أسلامية أو أجنبية، يتحدد مستواها وسقفها ويحيك خيوطها، هو موقفها من القضية الفلسطينية وم. ت. ف بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وان تخاذل دولة أو مجموعة دول شقيقة كانت أو صديقة لا يعني ان الشعب الفلسطيني سيكون وحيداً تبعاً لنظرية المصالح، وما يتبعها من محاور وتكتلات متناقضة ومتعارضة على الساحة الدولية، وكمثال لذلك فشل الادارة الأميركية في الحصول على شرعية دولية لصفقة القرن، والمواقف الدولية الرافضة لمشروع الضم من دول وازنة ومؤثرة في القرار والسياسة الدولية، كما لا يمكن لأي مشروع أن يمر وأن يحقق السلام والاستقرار للمنطقة ولإسرائيل دون التوقيع بالقلم الفلسطيني، والأهم من ذلك كله هو أن القضية الفلسطينية لا يمكن أن تموت أو أن يتم تصفيتها وهناك شعب فلسطيني ما زال متمسكاً بأرضه وحلمه في التحرر والاستقلال.