عبد المجيد سويلم - النجاح - كوشنر في أحد أهمّ الإضافات، (الاسهامات في حقل العلوم السياسية!) كان حديثه عن الفرصة بدلاً عن الصفقة.
الصفقة تظل الصفقة، ولكن إضافة وملاحظة كوشنر كانت تهدف إلى "توضيح" إمكانية تحولها إلى فرصة تاريخية، بل والتأكيد على أن فحوى هذه الصفقة هو في الواقع "فرصة نادرة".
لم يتردد الرئيس ترامب في التأكيد على أن ضياع هذه الفرصة سيكون بمثابة فقدان الأمل والإمكانية لحل هذا الصراع الطويل إذا لم يتم هذا الحل في عهده ـ  وهنا ربما يقصد في "ولايته الثانية" على أغلب الظن.
يترافق "اسهام" كوشنر، وتأكيد الرئيس ترامب ـ كما نلاحظ ـ مع ما يشبه الحملة المنظمة عن أن الرفض الفلسطيني لهذه الفرصة الصفقة هو نهج فلسطيني اعتاد تبديد الفرص وإهدارها.
الإعلام اليميني في إسرائيل، وإعلام الدوائر اليمينية في الولايات المتحدة، وكذلك لدى بعض الأوساط اليمينية في أوروبا، وعلى مستوى كوني شامل يردد نفس هذه المقولات، ويكررها كاللازمة في الأناشيد، وتبدو هذه المقولة بالذات في هذا الإعلام ولدى هذه الأوساط وكأنها إحدى مسلّمات الواقع المعيش.
وبالعودة إلى السجل الحديث منذ كارتر وحتى يومنا هذا فإن كافة الرؤساء في الولايات المتحدة اقتربوا أو لامسوا أو تبنوا فكرة الدولة الفلسطينية، كما أن أحداً منهم لم يحمل الجانب الفلسطيني صراحة مسؤولية "الفشل"، بل ان أكثرهم حتى وإن لم يمتلكوا شجاعة تحميل إسرائيل هذه المسؤولية إلاّ أنهم تحاملوا على الشعب الفلسطيني ولم يحملوه هذه المسؤولية.
في الآونة الأخيرة كشف ايهود باراك عن حقيقة أنه أقدم على خطأ كبير عندما تبنّى فكرة اللاشريك الفلسطيني.
إذن فقط كوشنر وترامب وبعض النكرات الإعلامية عادوا ليعزفوا هذه اللازمة من الأناشيد السابقة إذا كانت كل المقاربات الأميركية قد فشلت سابقاً بسبب عدم امتلاك الشجاعة الأدبية المطلوبة في تحميل إسرائيل المسؤولية عن فشل تلك المقاربات فهل ستكون "مقاربة" ترامب وكوشنر والتي تنفي وتتنكّر لأية حقوق وطنية للشعب الفلسطيني، وتصر على مقايضة هذه الحقوق بالحلول الاقتصادية (حفنة من الدولارات) هي المقاربة "التاريخية"، والصفقة التاريخية والفرصة التاريخية!؟ 
كم يا ترى على الإنسان أن يكون جاهلاً حتى يعتقد بذلك وحتى يعقد ورشة لتسويق هذه المقاربة؟
وكم على الإنسان أن يكون مغروراً وصلفاً حتى يرى أن الشعب الفلسطيني إن لم يقبل بهذه الصفقة فهو الذي يهدر الفرص التاريخية؟!
وكم على الشعب الفلسطيني أن يكون صبوراً حتى يتحمل هذه الهرطقات والخزعبلات، وبهذه الدرجة من القدرة على الاستخفاف بهذه الأمة من محيطها إلى خليجها؟!
لكن المسألة لا تتعلق بالجهل والازدراء والقدرة على "تسويق" الخزعبلات، وتوجيهه كل هذه المهانات لأمة بكاملها، وإنما يتعلق الأمر بأبعاد كثيرة وخطيرة أخرى.
والحقيقة أن ترامب وفريقه يعرفون عن المنطقة وتاريخها وثقافتها بما لا يزيد على معرفة طالب في الصفوف الإعدادية، وكل ما يعرفونه في الواقع هو رواية توراتية مطعّمة بالأفكار الأيديولوجية للمسيحية الصهيونية، وبعض "القيم"، المعمول بها في أوساط الدوائر الأكثر تخلفاً ورجعية لدى بعض أوساط المحافظين الجدد.
كما أن علاقاتهم المباشرة بما في ذلك مصالحهم الاقتصادية المباشرة هي في الواقع مع الرأسمال الأميركي اليهودي الأكثر يمينية وتعصباً وعنصرية لكن هذا كله لا يفسّر قصة "الفرص التاريخية"!
تقوم الصفقة باعتبارها "فرصة" على قناعة الفريق الذي يحيط بالرئيس ترامب وسعيه لتحميل الجانب الفلسطيني مسؤولية الفشل، عن شيء ليس أمامه إلاّ الفشل، وليس له أية حظوظ من النجاح وبالتالي فإن فريق ترامب يراهن على أن يتمكن من حصار الشعب الفلسطيني حصاراً خانقاً، وأن يعمل بالتالي على عزل قيادته عن هذا الشعب، ولاحقاً عن المحيط العربي الذي بايع ترامب، وفي محاولة استقطاب أية بؤر وتجمعات من هنا وهناك على المستوى الدولي.
وهذا هو الجزء الأول من الفرصة.
أما الثاني، فهو أن فريق ترامب يرى هشاشة الوضع الداخلي الفلسطيني ويرى تعثر مسار إنهاء الانقسام، ويراهن على أن الحصار والعزل (الاحتواء) باللغة والمصطلحات الأميركية، سيؤدي إلى الانفصال بين الضفة والقطاع وسيؤدي "موضوعياً" إلى "إقحام" القطاع في الشق الاقتصادي تحت تداعيات الوضع الإنساني، ما سيؤدي من وجهة نظر فريق ترامب إلى تشتيت التمثيل السياسي وإنهاء شرعيته ووحدانيته ووحدته.
وهنا أزعم أن استراتيجية نتنياهو للتهدئة مع حركة "حماس"، وإدخال الأموال إليها ليست إلاّ حصيلة توافق إسرائيلي أميركي على أدق التفاصيل.
أما الثالث، فإن فريق ترامب يرى في الواقع العربي المؤثر واقعاً إما ملحقاً بالكامل بهذا الفريق، أو هو مهادن له، أو يؤثر على اتقاء شرّه، وهي ثلاث مواصفات مواتية لهذا الفريق لبعثرة الوضع الفلسطيني وخنقه تمهيداً للتدخل "العربي" المباشر في إعادة ترتيب الأوضاع، وفق الرؤيا الأميركية، وبالتالي فإن الفرصة قائمة.
والرابع، هو أن فريق ترامب باشر فعلياً الحملة الانتخابية للولايات الثانية للرئيس ترامب، وهو يدرك أن اليمين اليهودي الأميركي والمسيحيين الصهاينة هم الأقدر ـ كجهات منظمة وفاعلة وعلى أعلى درجات التنسيق والمقدرات المالية ـ على دعم ترامب وإعادة انتخابه.
الفرصة هنا في تبني كل أطروحات اليمين الإسرائيلي، ومحاولة فرضها على الواقع، وعدم تمكين الشعب الفلسطيني من إجهاض كل هذه المقاربة الأميركية.
الأميركيون يعرفون جيداً ـ إذ لا بد أن أجهزة الأمن الإسرائيلية تزودهم بالمعلومات الكافية ـ أن الفلسطينيين لن يقبلوا ببقاء الأمور على حالها، وهم يدركون أن الشعب الفلسطيني بالرغم من كل الصعوبات التي يعاني منها يعد نفسه لمرحلة جديدة من المجابهة مع الخطة الأميركية، ويدرك جيداً أن أحداً في هذا العالم لم يقل له "لا" كما يقولها الفلسطينيون، وأن إمكانية إجهاض "الفرصة" واردة، وفي وقت مبكر، وقبل موعد الانتخابات الأميركية، ما يشكل تهديداً لترامب أكثر مما هو تهديد للشعب الفلسطيني.
ومن هذه الزاوية أساساً، ومن كل الزوايا التي أتينا عليها يمكن اعتبار الصفقة من وجهة نظر فريق ترامب الفرصة التاريخية فعلاً.
مقابل فرصتهم فإن للشعب الفلسطيني فرصة، أيضاً، ومقابل إرادتهم فإن للشعب الفلسطيني إرادته، ومقابل قوتهم وجبروتهم لنزع الحق فإن للشعب الفلسطيني قوة الحق لانتزاع الحقوق.
لن نهزمهم ولكن لن ينتصروا علينا، وفي هذه المعادلة بالذات يكمن السرّ في الفصل الأخير من هذا الصراع الطويل.

المصدر: الأيام