نابلس - ماجد هديب - النجاح - على وقع قصف الطائرات التي لم يتوقف زنينها بعد، وعلى صوت المدفعية التي ما زالت تهدد بإعادة قذف حممها، وفي ظلّ مشاهد اجساد الاطفال الممزقة والمتناثرة اشلاؤها ، ومن على انقاض البيوت المتطايرة جدرانها، ومن تحت سحب وأعمدة الدخان المتصاعدة من غارات الطائرات والمصحوبة برائحة الأجساد المشوية من قذائفها، فإنَّني اكتب هنا ما التقطته من تساؤلات في عيون أهل غزة، وخاصة هؤلاء الأطفال الذين كانوا وما زالوا يرتجفون خوفًا من طائرات لم تتوقف غاراتها، ومن بينها إذا ما كان دخول هذه الحرب غاية أم وسيلة؟

وإذا ما كانت وسيلة، فما هي الأهداف التي تسعى حركة حماس لتحقيقها؟ هل هي أهداف سياسية، وما هي حدودها، أم أهداف اقتصادية، وما هي أيضًا إطارها؟، وإلى أين نحن نسير؟، هل نسير نحو الحرية والاستقلال بفعل قوة المقاومة التي أعطتنا أمل الحرية والتفوق لدقة تنظيم ضرباتها وثبات رجالها؟، أم نسير نحو الانفصال لإنشاء دويلة في غزة ،لا حقوق سياسية فيها مقابل ان تستمر سيطرة حماس عليها، حتى وإذا القدس هودت، والضفة دمرت، مقابل هدنة طويلة، لا حرب فيها، إلا إذا قيادات الصف الأوّل في حركة حماس هددت، والعروش التي يتشبثون بها قد زلزلت؟.

هي أسئلة ما زال الأطفال لا يعرفون معنى الخوف من إطلاقها وإثارتها، لأنَّ كلَّ ما يبحثون عنه هو العيش الآمن، فيما عاش هذا الخوف فينا، وسيطر على حياتنا، وما عدنا نبحث عن الكرامة والدولة، وما بين الأمن الذي يبحث عنه هؤلاء الأطفال والكرامة التي بتنا نخاف من المطالبة بها طريق معلوم، وهو أقرب الطرق وافضلها لان نستظل تحت عنوانها، وجودا وانتصارًا، إنَّها طريق الوحدة التي يرفضها حكام غزَّة، وما زالوا يخافون منها، لأنَّهم يعلمون أنَّ في تحقيق تلك الوحدة انهيار لعروش يتمسكون بها، حتى وإن كانت واهية .

في ذلك الحين لم يمتلك أحد، وأنا منهم، جرأة الإجابة على ما أثارته عيون هؤلاء الأطفال من تساؤلات، ليس لأنَّ الوقت لم يكن صالحًا للكلام في السياسة في ظلّ قصف الطائرة والمدفع فقط ،بل لأنَّني لم أجرؤ أيضا على مصارحة هؤلاء الأطفال ما كنت افهمه، وهو أنَّ لا ذنب لهم ليكونوا طرفًا في لعبة لا يمتلكون أدواتها، ولكنَّني الآن، وبعد أن صمتت المدافع وتوقفت الطائرات، ولأنني افترض أيضًا بأنَّ الذرائع التي يتمسك بها حكام غزّة لملاحقة كل من يعارضهم قد سقطت مع صمت تلك المدافع والطائرات فلا ملاحقة لهم بتهم جاهزة، ومن بينها ضرب الجبهة الداخلية اثناء الحرب، بالإضافة الى تهمة تأليب الشارع على سلطتهم ،ناهيك عن تهمتي الخيانة والتآمر على المقاومة ، وعليه فإنني ارى انه ان الاوان بان اتساءل بالنيابة عن كل خائف وبعلو الصوت ،وخاصة في ظل التهديد باندلاع حرب جديدة مطلع هذا الصيف ،وهو الى اين نحن ذاهبون ؟.

نعم من حقنا ان نسال هنا ،وبعد اثنا عشر عاما من سيطرة حماس على غزة ، وبعد حروب اربعة سقط فيها وفقا لإحصاءات رسمية اكثر من ستة الاف شهيد ما بين طفل وسيدة ،بالإضافة الى عشرات الالوف من المصابين ،وتدمير اكثر 186740 ما بين وحدة سكنية ،ومنشاة اقتصادية ،ومؤسسات تعليمية، ودينية ،ومكاتب صحفية ،في ظل عدو لا حدود لوحشيته ،وجبروت ضرباته ،وفي ظل عالم احادي ظالم ،وعالم عربي متخاذل ،ذلك لأننا لم نحدد ما نريد ،ولم نتفق مع بعضنا البعض على ما هي اهدافنا ،ولأننا ايضا ما زلنا نتخبط في اساليبنا ،ووسائلنا ،فتارة نريد قرارات الشرعية الدولية ،وتارة نريد كل فلسطين من بحرها الى نهرها ،واخرى نريد ان نبيد اليهود بلا رحمة بهم او شفقة، ولكن سرعان ما نتراجع بالقول بانه لا عداء لنا مع اليهود فهم اصحاب ديانة ،واحيانا نتغاضى عن كل ما نريد ،وما نتطلع الى تحقيقه سياسيا ،وذلك بتقزيم تضحيات شعبنا من خلال استبدال المطالبة بالحرية والاستقلال الى المطالبة بحياة انسانية وفتح المعابر ،وان كانت تلك الحياة فيها ذل وهوان .

هنا هي المشكلة ،وهنا تكمن زيادة معاناتنا ،والسبب في تراجعنا وتشتتنا ،وسببا ايضا لان نذهب بأنفسنا الى غياهب النسيان بشعبنا وقضيتنا ،وعليه يجب ان نحدد ما نريد ،وان لا نجعل من انفسنا اداة طيعة في يد لعبة المصالح الاقليمية والدولية ،وان لا نجعل ايضا من اجساد اطفالنا وقودا لإنارة جلسات اصحاب المصالح للاتفاق فيما بينهم على ما يختلفون عليه ،او اقتسام ما يتحصلون عليه.

على حركة حماس ان تعلم ،مع واجب التفرقة هنا ،ما بين مقاومتها التي نعتز بها ونفخر بها ،وندعو لتصاعدها ،وما بين قياداتها السياسية ،بانه ما من شعب تحرر من تحت الاحتلال في ظل خلافات داخلية وانقسام ،وما من حركة تحرر نالت استقلال بلادها دون التفاف من الشعب حولها ، وما من حركة مقاومة ايضا احرزت النصر لشعبها دون الممارسة الحقيقية لتلك المقاومة على قاعدة البرامج والاستراتيجيات ،فمن اين يأتي النصر اذا في ظل غياب كل ما ذكرناه ،وفي ظل التهجير والدمار وزيادة المعاناة بفعل سياسة الاستئصال والاحلال ،فالنصر يا من تحكمون غزة لا يأتي من صرخات الاطفال ،ولا من عملية جلب التعاطف مع انزال اسرائيل الابراج العالية على رؤوس ساكنيها ،وانما يأتي النصر من فوهة البندقية التي يعلم مطلقها ماذا يريد ،فهل نحن نعلم ماذا نريد ؟،وهل نحن في سعي دؤوب حقا لتحقيق اهداف شعبنا مع الاستمرار بتنفيذها ؟ ،ام ان الهدف من هذه الحروب الاربعة هي حماية عروشكم التي تخافون عليها وتدافعون عنها ،حتى وان كان ثمن هذه العروش والمصالح هي تدمير غزة ،والا ما هو سر الارتباط ما بين التهديد باستمرار الحرب لا نهاء حكم حماس ،وهدم اركان قوتها ،ومعالم حكمها ،وتنفيذ الاغتيالات بالصف الاول ايضا ،وما بين وقف الحرب بتهدئة مقابل تهدئة.

هكذا هي المعادلة الان ،تهدئة مقابل تهدئة ، فلماذا اذا هي تلك الحروب ، ولماذا اصلا كانت تلك المقاومة ،فهل اصبحت حروبنا من اجل ان نكون وقودا لقوانا واحزابنا ،وليست من اجل فلسطين ،وهل يمكن القول ،وعلى ضوء تلك المعادلة ان لا تنازل من حركة حماس عن حكم غزة ،حتى لو الحياة فيها انعدمت ،والنفوس قتلت،والقدس ايضا هودت، وان اي حرب قادمة هي مجرد رسائل تتفوق حركة حماس في اطلاقها لكافة الاطراف كلما قياداتها في غزة هددت ،والعروش فيها اهتزت ،او زلزلت ؟.