بشار دراغمة - النجاح -  

على وقع الوضع السياسي القائم فلسطينيًا وقبول الرئيس محمود عباس استقالة الحكومة والبدء بمشاورات لتشكيل حكومة فصائلية، تقفز أمامنا جملةٌ من التساؤلات، لعل أبرزها تركيبة حكومة د.رامي حمدالله، هل كانت تكنوقراط، أم خليط، وكيف أثرت ظروف تشكيلها على عملها، وهي أيضا ذات الظروف التي استمرت منذ العام 2013 حتى اليوم.

 

المنطق أن يُطرح السؤال أعلاه لحظة تشكيل تلك الحكومة؟ لكن مبررات التغيير دفعت لطرح السؤال مجددًا، فحركة فتح قالت إنها يجب أن تقود الحكومة بعدما فشلت جهود المصالحة وكون الحكومة كانت في إطار التوافق الوطني وبالأخص حماس وفتح على أمل إنهاء الانقسام وذلك لم يتحقق على الأرض، وهذا يعني أن حكومة الحمدالله لم تكن على أساس فصائلي، لكن عمليا يمكن القول أن حكومة د.الحمدالله هي خليط بين التكنوقراط والفصائلية، كون الفصائل كانت تعترض أو ترشح فلان وعلان للوزارة الفلانية بناء على توجهاته ومواقفه وليس بناء على خبراته وقدراته فحسب.

 

من شأن التوصل إلى مفهوم واضح حول تركيبة الحكومة أن يسهل الحكم عليها وعلى انجازاها أو اخفاقها، استنادا إلى المهام التي كُلفت بها، والظروف التي شُكلت فيها.

 

فتكنوقراط يعني أنها حكومة كفاءات أو تقنيات وظهر المصطلح إلى الواقع العملي على الأغلب في الولايات المتحدة الأمريكية من خلال حركات كانت تدعو إلى استخلاص قوانين الحكم بعد عملية قياس للظواهر الاجتماعية، وأن يتم اخضاع تلك القوانين لإدارة ذوي الخبرة من الكفاءات في تخصصات عدة، وهناك شبه اجماع لدى علماء السياسة بأن حكومات التكنوقراط لا ينتمي أعضاؤها لأحزاب سياسية، وتصل إلى الحكم من خلال الشرعية العقلانية وفقا لتصنيفات ماكس فيبر الذي أضاف هذا الشكل من الشرعية إلى الشرعيتين الكاريزمية والتقليدية.

 

وفقا للتشخيص أعلاه فقد ظل شكل الحكومة أو تصنيفها غير محسوم، وهو السبب الأبرز للتباين الكبير للآراء حولها، فمن كان يتطلع لإنهاء الانقسام لم يحاسبها على أنها حكومة تكنوقراط فغض البصر عن كل ما أنجزته إداريا وماليا وظل تركيزه إن انهت الانقسام أم لا، ومن نظر إليها على أنها حكومة تكنوقراط فحسب تجاهل هو الآخر الظروف التي عملت بها الحكومة، في ظل الانقسام وغياب المجلس التشريعي وتحمل عبء سن القوانين، وعليه يبقى الحكم على أداء الحكومة منقوصاً وكل التشخيصات لن تُستخدم فيها عدسة مكبرة وسيبقى التقييم مقتصرا على زوايا محددة.

 

إذا ما تعاملنا مع شخص رئيس الحكومة د. رامي الحمدالله وفقا لتعريف جان وليم لابير للشخص التكنوقراط بأنه الخبير المدعو الى المشاركة في صياغة القرارات التي يفيد منها في ممارسة السلطة الفعلية فإن القرارات والقوانين التي صيغت في عهده ولا مجال لحصرها هنا تُعنى حصرا بالشأن العام وتستهدف كافة الفئات، فكان العمل على سبيل المثال ينصب على صياغة قوانين تشجع الاستثمار وتحمي الموظف في نفس الوقت وتؤمن مستقبله، خلافا لقرارات وقوانين أقرت في عهد الحكومة التي سبقته والتي كانت تستهدف شرائح وقطاعات محددة وفتحت الطريق أمام تآكل الطبقة الوسطى، ونجح الحمد الله أيضا في القيام بالمهام المنوطة بحكومته ضمن سياقها الطبيعي كحكومة كفاءات، ووفقا لهذا النوع من الحكومات التي كُلف بها الحمدالله كان مطلوبا منه توظيف القدرة المعرفية لصياغة قرارات تتلاءم وسياسة الدولة في هذه المرحلة وربط هذه القرارات بالمراحل السابقة لتطور ميدانه ثم فتح آفاق أخرى للمستقبل قياسا على نتائج بحوثه، وهذا الدور موثق في أمهات النظريات السياسية.

 

الحمدلله نجح كذلك في إخراج عمل الوزارات من صورته التقليدية ومن كون الوزير هو شخص بمفرده وتحويل المنصب إلى منظومة عمل متكاملة.

القدرة والإمكانيات التي تمتعت بها حكومة الحمدالله هي من دفعت الرئيس محمود عباس للتمسك به لمدة ست سنوات، وليس ذنبه أن الانقسام لم ينته، ولم تكن هذه مهمته إنما تطبيق ما يتفق عليه المنقسمون ومرت السنون ولم يُتاح المجال لتطبيق كل ما كان يُتفق عليه، فلا التمكين حصل ولا الحكومة تسلمت مهامها في غزة، فلا صواب في إطلاق الأحكام على الأداء من هذه البوابة.