منال الزعبي - النجاح -
تلك الفتاة  التي رماها القدر في فخ الزواج المبكر ..لم تكن تعرف أنَّ للموت نكهة تذاق دون أن ينضج في أرواحنا ويأخذنا إلى الحياة الأخرى .. إنَّه موت لا يميتنا بل يعذبنا فحسب ..  تقول"م،ن":  "حين تزوجت ظنت أنَّ الدنيا ستفتح ذراعيها وتحتضنني  بحب ، لكني وجدت نفسي ارتطم بواقع مرير ونفسيات مشوّهة ما عرفتها في عالم الكتب والطفولة حيث عشت"، تضيف ببراءة مذبوحة: "عانيت وعانيت وكنت أتعلم الوقوف من جديد كلما تعثرت، ويوم حملت برحم لم تكبر  بعد لأنجب وسط أناس ظننتهم أهلي  فتقاذفوا طفولتي وشتتوا براءتي بظلمهم وجبروتهم بل بهمجيتهم ! 


 أرادوها خادمة وأرادت نفسها أميرة فأبتعدت وانتبذت مكانًا قصيًّا، لم تختره بل فرضوه عليها إذ طردوها مع زوج أحبها، فتخلى عنه الأهل والأحباب ويوم أن جاءها المخاض كانت وحيدة حتى من جذع نخلة تهزه فيساقط عليها رطباً يُقرّ عينها.. حاولت الاتصال بزوجها لكنّ الخطوط مغلقة باتجاهه إذ كان يعمل في منطقة بعيدة، جرّت نفسها تشحذ أنفاسها بين كل طلقة وطلقة عبر طريق بريّ  هو الأقرب على مسكن أهلها الذين ما دروا بحالها، حالهم حال الكثيرين ممن يزوجون بناتهم ويتناسوا وجودهن.. ظلّت تتشبث بأشجار الزيتون كلما داهمها الألم إلى أن وصلت بقايا أهلها .. 
ارتمت على عتبة بابهم تصرخ وتستنجد فلبوها وسارعوا بنقلها للمشفى وقبل ذلك أرادوا للعادات والتقاليد أن تسير بمركبها فبعثوا بمرسال إلى أهل زوجها - وهم جيران لمحض القدر- أبلغوهم ليحضروا معها، فمناسبة كالولادة كفيلة بأنهاء  أيّ خصام 
فصدوا وأبوابهم سدوا .. وطيلة الطريق كان ألمها النفسي يكبر ويكبر حتى ما عادت تشعر بآلام المخاض.. وصلت المشفى هادئة الملامح ساكنة النفس ظاهريًّا، مما أثار عجب الممرضات اللواتي بدأن يتهامسهن: 
"يا حرام شكلها صغيرة 
شوفوا ما أصبرها"
، حالة ولادة عاجلة صرخن.. وتمنين أن يسمعن صراخها فتزول ريبة الحالة التي وصلت بها.. 
ورمى الله الحنان بقلوبهن فكن ملائكة بشرية 
إحداهن تقرأ عليها القرآن وأخرى تمسك يدها 
وهي تشخص بنظرها لله تناجيه بعبارات هادئة عميقة تشي بانقطاع روحي أدمعت عيونهن تقول:
"يا رب السماوات والأرض يا جبار أنت الأهل لمن لا أهل له وأنت الجار لمن لا جار له وأنت الصاحب لمن لا صاحب له، أقف ببابك مستجيرة فأجرني كما أجرت مريم في وحدتها،
يا رب مسّني الضر وأنت أرحم الراحمين 
لا تتوفني إلا وأنت راضٍ عني" 

كانت منقطعة عمّا حولها موصولة بربها.. ثمّ غابت 
ولم تفق إلا والممرضة تمسح على وجهها وتهمس: "حمداً لله على سلامتك خذي ابنتك ضميها لصدرك فقد نمتِ ساعتين" 
وما إن رأت صغيرها وضمتها حتى أجهشت بالبكاء  لا أحد يفهم أو يعرف حجم آلام نفسها إلا الله، وزوج اعتصر الهم قلبه وتربع في وجهه .. أرادت أن تسميها مريم إلا أنَّ الطفلة التي ظلّت أسبوعًا بلا اسم حملت مجد هذه الأم ومعاناتها فأسموها مجد.