نابلس - النجاح الإخباري - في أعقاب الانتخابات الإسرائيلية التي جرت الثلاثاء، 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تتجه الأنظار إلى مرحلة جديدة من التنافس السياسي، لا تتوقف عند نتائج صناديق الاقتراع وتوزيع المقاعد في الكنيست، بل تمتد إلى مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة، وسط تعقيدات التحالفات الحزبية واحتمالات استمرار الانسداد السياسي، وصولاً إلى إجراء انتخابات جديدة في حال فشل جميع محاولات تشكيل ائتلاف حكومي.

وتخضع عملية تشكيل الحكومة الإسرائيلية لسلسلة من الإجراءات الدستورية والسياسية التي ينظمها «قانون أساس: الحكومة»، بدءاً بإعلان النتائج الرسمية للانتخابات، مروراً بتكليف أحد أعضاء الكنيست بتشكيل الحكومة، وانتهاءً بالحصول على ثقة البرلمان، أو العودة إلى صناديق الاقتراع إذا تعذر التوصل إلى ائتلاف قادر على الحكم.

وتكتسب هذه المراحل أهمية خاصة في ظل طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي القائم على التمثيل النسبي وتعدد الأحزاب، ما يجعل تشكيل الحكومات مرتبطاً بالتفاهمات والاتفاقات الائتلافية أكثر من ارتباطه بحصول حزب واحد على أكبر عدد من المقاعد.

المرحلة الأولى: إعلان النتائج والمشاورات الرئاسية

تبدأ إجراءات تشكيل الحكومة بعد استكمال فرز الأصوات وإعلان النتائج الرسمية للانتخابات، بما يشمل توزيع المقاعد الـ120 في الكنيست على القوائم التي تجاوزت نسبة الحسم الانتخابية.

وبعد نشر النتائج الرسمية، يبدأ رئيس الدولة، إسحاق هرتسوغ، مشاوراته مع ممثلي الكتل البرلمانية المنتخبة، بهدف الاستماع إلى توصياتها بشأن الشخصية التي ترى أنها الأقدر على تشكيل الحكومة المقبلة.

ويمنح القانون رئيس الدولة مهلة سبعة أيام من نشر النتائج الرسمية لإسناد مهمة تشكيل الحكومة إلى أحد أعضاء الكنيست، شريطة موافقته على قبول التكليف.

ولا يُلزم القانون الرئيس بتكليف زعيم الحزب الحاصل على أكبر عدد من المقاعد، إذ يمكنه اختيار شخصية أخرى إذا تبين أنها تتمتع بفرص أفضل لتشكيل ائتلاف يحظى بثقة البرلمان.

وتتحول هذه المشاورات إلى محطة سياسية حاسمة، إذ تسعى الأحزاب إلى إظهار قدرتها على بناء تحالفات، فيما قد تؤثر توصيات الأحزاب الصغيرة في تحديد الشخصية التي تحصل على فرصة تشكيل الحكومة أولاً.

المرحلة الثانية: التكليف الأول ومهلة الـ28 يوماً

بمجرد صدور قرار التكليف، يحصل عضو الكنيست المكلف على 28 يوماً لتشكيل الحكومة.

وخلال هذه الفترة، يجري مفاوضات مع الأحزاب المحتملة للانضمام إلى الائتلاف، بهدف التوصل إلى اتفاقات بشأن البرنامج الحكومي وتوزيع الحقائب الوزارية والسياسات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية.

وتعد هذه المرحلة من أكثر مراحل تشكيل الحكومة تعقيداً، نظراً إلى اختلاف المصالح الحزبية، وتباين المواقف بشأن القضايا الداخلية والخارجية، فضلاً عن مطالب الأحزاب المشاركة في الائتلاف.

ويتيح القانون لرئيس الدولة تمديد مهلة التكليف لفترة أو فترات إضافية لا يتجاوز مجموعها 14 يوماً، لتصل المدة القصوى المتاحة للمكلف الأول إلى 42 يوماً.

غير أن حصول المرشح على التكليف لا يعني ضمان نجاحه في تشكيل الحكومة، إذ يبقى نجاح المهمة مرتبطاً بقدرته على جمع التأييد البرلماني اللازم والتوصل إلى اتفاقات تضمن استقرار الائتلاف.

المرحلة الثالثة: انتقال التكليف إلى مرشح آخر

إذا انتهت المدة القانونية دون نجاح المرشح الأول في تشكيل الحكومة، أو أبلغ رئيس الدولة بعجزه عن إتمام المهمة، أو لم تحصل الحكومة المقترحة على ثقة الكنيست، تبدأ مرحلة جديدة من الإجراءات.

ويكون أمام رئيس الدولة، خلال ثلاثة أيام، خياران: إما تكليف عضو كنيست آخر وافق على تولي المهمة، وإما إبلاغ رئيس الكنيست بأنه لا يرى إمكانية لتشكيل حكومة.

وفي حال اختيار مرشح ثانٍ، يحصل على مهلة مدتها 28 يوماً لتشكيل ائتلاف حكومي، دون إمكانية تمديدها.

وقد تفتح هذه المرحلة المجال أمام تحالفات سياسية جديدة، خاصة إذا أخفق المرشح الأول في التوصل إلى تفاهمات مع الأحزاب التي كان يعول على مشاركتها.

كما يمكن أن تشهد انتقال بعض الأحزاب من معسكر إلى آخر، أو طرح صيغ ائتلافية بديلة، من بينها حكومة وحدة أو ائتلاف يضم أحزاباً ذات توجهات مختلفة، إذا سمحت التفاهمات السياسية بذلك.

المرحلة الرابعة: الفرصة الأخيرة داخل الكنيست

في حال فشل المرشح الثاني، أو إعلان رئيس الدولة عدم وجود إمكانية لتشكيل حكومة، يمنح القانون أعضاء الكنيست فرصة أخيرة لتجاوز الأزمة السياسية.

وتتمثل هذه المرحلة في إتاحة 21 يوماً لأغلبية أعضاء الكنيست، أي 61 عضواً على الأقل، لتقديم طلب خطي إلى رئيس الدولة لتكليف عضو محدد بتشكيل الحكومة، على أن يكون المرشح قد وافق خطياً على قبول المهمة.

وإذا قُدم الطلب مستوفياً الشروط، يتعين على رئيس الدولة تكليف المرشح خلال يومين، ليحصل بدوره على 14 يوماً فقط لتشكيل الحكومة.

وتختلف هذه المرحلة عن المرحلتين السابقتين، إذ تصبح المبادرة بيد الأغلبية البرلمانية نفسها، بدلاً من اقتصار اختيار المرشح على تقدير رئيس الدولة بعد مشاوراته مع الأحزاب.

وقد تشكل هذه الفرصة مخرجاً أخيراً من الانسداد السياسي، إذا تمكنت أطراف متنافسة من التوصل إلى تفاهمات تتيح تشكيل حكومة جديدة.

المرحلة الخامسة: حل الكنيست والعودة إلى الانتخابات

إذا انقضت مهلة الـ21 يوماً دون تقديم طلب يحظى بتأييد 61 عضواً، أو فشل المرشح الذي حصل على الفرصة الأخيرة في تشكيل الحكومة، فإن الكنيست يُعد منحلاً وفق الإجراءات المنصوص عليها في قانون الأساس.

وفي هذه الحالة، تتجه إسرائيل إلى انتخابات برلمانية جديدة خلال 90 يوماً.

ويمثل هذا السيناريو أحد أبرز تداعيات تعثر تشكيل الائتلافات الحكومية في النظام الإسرائيلي، حيث يمكن أن تؤدي الخلافات بين الأحزاب وعدم قدرة أي معسكر على تأمين أغلبية برلمانية إلى إعادة العملية الانتخابية.

ولا يعني إجراء انتخابات جديدة بالضرورة انتهاء الخلافات السياسية، إذ قد تفرز نتائجها موازين قوى متقاربة، ما يعيد الأحزاب إلى مفاوضات ائتلافية جديدة.

ماذا يحدث إذا نجح أحد المرشحين؟

في حال تمكن أي من المرشحين المكلفين من تشكيل ائتلاف حكومي، يبلغ رئيس الدولة ورئيس الكنيست بنجاح مهمته، لتُحدد جلسة برلمانية خلال سبعة أيام لعرض الحكومة الجديدة.

وخلال الجلسة، يقدم رئيس الحكومة المكلف الخطوط العامة لبرنامج حكومته، وتشكيلتها الوزارية، وتوزيع المسؤوليات بين الوزراء، قبل طلب ثقة الكنيست.

ولا تبدأ الحكومة الجديدة ممارسة صلاحياتها رسمياً إلا بعد حصولها على الثقة البرلمانية.

وتبرز هنا أهمية التمييز بين التوصل إلى اتفاق ائتلافي وبين التشكيل الرسمي للحكومة، إذ قد تنجح الأحزاب في الاتفاق على توزيع الحقائب والبرنامج السياسي، لكنها تظل مطالبة باستكمال الإجراءات البرلمانية اللازمة.

من يدير إسرائيل خلال فترة المفاوضات؟

إلى حين تشكيل حكومة جديدة، تستمر الحكومة المنتهية ولايتها في أداء مهامها باعتبارها حكومة تصريف أعمال، بما يضمن استمرار عمل المؤسسات الرسمية وعدم حدوث فراغ في السلطة التنفيذية.

غير أن هذه المرحلة قد تترافق مع تحديات سياسية وقانونية تتعلق بطبيعة القرارات التي تتخذها الحكومة القائمة، خاصة إذا استمرت المفاوضات لفترة طويلة أو تعذر تشكيل ائتلاف جديد.

وفي الوقت نفسه، يواصل الكنيست المنتخب ممارسة دوره البرلماني، وسط احتمالات تشكل تحالفات مؤقتة بين أحزاب المعارضة للتأثير في التشريعات والقرارات السياسية.

أغلبية الـ61 مقعداً.. مفتاح تشكيل الحكومة

تظل معادلة الأغلبية البرلمانية العامل الأهم في تحديد فرص تشكيل الحكومة الإسرائيلية، إذ يتكون الكنيست من 120 عضواً، وتشكل المقاعد الـ61 الحد الأدنى للأغلبية المطلقة.

ورغم أن الحزب الأكبر قد يمتلك أفضلية سياسية في المفاوضات، فإن عدد مقاعده وحده لا يضمن وصول زعيمه إلى رئاسة الحكومة، ما لم يتمكن من بناء ائتلاف يحظى بالدعم البرلماني اللازم.

وفي المقابل، تستطيع مجموعة من الأحزاب التي لم يحصل أي منها على المركز الأول أن تتفق على تشكيل حكومة، إذا تمكنت من بناء أغلبية وتجاوز خلافاتها السياسية.

وتبرز أهمية الأحزاب الصغيرة في هذه المعادلة، إذ يمكن أن تصبح مقاعدها حاسمة في ترجيح كفة أحد المعسكرات، ما يمنحها قدرة تفاوضية تتجاوز حجم تمثيلها البرلماني.

كما قد تؤثر مواقف الأحزاب العربية من المشاركة في الائتلافات أو دعمها من خارج الحكومة في الحسابات البرلمانية، وفقاً لتوزيع المقاعد وطبيعة التفاهمات السياسية.

الانتخابات لا تحسم وحدها هوية رئيس الحكومة

في المحصلة، لا تنتهي الانتخابات الإسرائيلية بإعلان الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد، بل تبدأ بعدها عملية سياسية قد تمتد لأسابيع أو أشهر، وتخضع لتوازنات معقدة بين الأحزاب والكتل البرلمانية.

وبين المشاورات الرئاسية والتكليف الأول وإمكانية انتقال المهمة إلى مرشح آخر، وصولاً إلى الفرصة الأخيرة التي يمنحها القانون لأغلبية الكنيست، تبقى جميع السيناريوهات مفتوحة إلى حين تشكيل حكومة تحظى بالثقة البرلمانية.

وفي ظل التعقيدات التي أفرزتها الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، يصبح السؤال الأساسي ليس فقط من حصل على العدد الأكبر من المقاعد، وإنما من يستطيع تحويل هذه المقاعد إلى تحالف حكومي قادر على الاستمرار.

أما إذا عجزت القوى السياسية عن التوصل إلى تلك المعادلة، فستكون إسرائيل أمام احتمال العودة إلى انتخابات جديدة، بما يعني استمرار حالة عدم اليقين السياسي وتأجيل حسم هوية الحكومة المقبلة وتوجهاتها.