النجاح الإخباري - خلف خلف

داخل أروقة المحاكم الشرعية الفلسطينية، يبدو التخارج من الميراث محصناً بضوابط تمنع الإكراه: حضور القاضي، التحقق من الرضا، وتقدير عادل للحصص. لكن هذا التحقيق يوثق مساراً موازياً تُمرر عبره عمليات السلب بغطاء رسمي؛ إذ يكشف عن تعايش منظومتين قانونيتين متناقضتين. ففي حين تقيّد المحاكم إجراءات التخارج بصرامة، تعتمد سلطة الأراضي نصوصاً تشريعية أقدم تُضفي الحجية القانونية على السندات العُرفية الموقّعة خارج أسوار المحكمة. عبر هذا التضارب المؤسسي، تُشرّع ثغرة واسعة تتسرب منها حقوق النساء الميراثية بصمت، لتُترك المرأة وحيدةً في مواجهة عبء إثبات الغش أو الإكراه ضمن مسار قضائي طويل ومكلف.

"وقّعت ورقة… فخسرت ميراث أبي وأمي"

تتجسد هذه المفارقة في قصة السيدة حلوة (خ) من بلدة ديراستيا بمحافظة سلفيت شمال الضفة الغربية. حلوة، وهي أم لخمسة أولاد وأربع بنات، ما تزال تستعيد تفاصيل توقيعها على ورقة صغيرة عام 2014، وهي الخطوة التي تقول إنها جعلتها نادمة حتى اليوم. يومها، وضع اثنان من أشقائها أمامها ورقة وطلبا منها التوقيع مقابل 1350 ديناراً من كل منهما. لم تكن تدرك أن التوقيع يعني تخارجها من كامل التركة، بل اعتقدت أنها تتنازل عن جزء يسير من ميراثها، مدفوعة بحاجتها إلى المال في ظل تعطّل زوجها عن العمل ووجود ابنة من ذوي الاحتياجات الخاصة لديها.

لاحقاً اكتشفت أن الورقة لم تكن تنازلاً جزئياً، بل وثيقة تنص على تنازلها عن كامل حصصها الإرثية المستحقة من والدها ووالدتها لصالح شقيقيها. وما ضاعف شعورها بالخديعة أنها لم تقبض حتى المبلغ الذي وُعدت به كاملاً. تقول بحسرة: "لم أستلم سوى 900 دينار من أحد أشقائي، لقد تعرضت للخداع".

بعد أكثر من عشر سنوات، لا تزال حلوة وأولادها يطالبون بحقها الكامل، لكن الجملة التي تواجهها بها العائلة تلخّص كيف تتحول الورقة إلى أداة حسم اجتماعي: "الأم وقّعت وانتهى الأمر". وخلال هذه السنوات، تصرف الأشقاء الذكور في كامل التركة، وقاموا بتطويبها لدى دائرة الأراضي، وباعوا الكثير من الحصص الإرثية. والسؤال الذي طرحه التحقيق: كيف جرى تطويب هذه الأراضي استناداً إلى ورقة لا تعترف بها المحكمة الشرعية أصلاً؟

القاضي الشرعي: التخارج خارج المحكمة "غير معتبر"

حين سأل معدّ التحقيق القاضي الشرعي صالح أبو فرحة، رئيس محكمة نابلس الشرعية، عن مدى قانونية الوثيقة التي وقّعت عليها السيدة حلوة، أجاب بحسم: "التخارج لا يُسجَّل إلا في مجلس القضاء في المحكمة الشرعية، أما أمام المحامي فهو غير معتبر". ويضيف: "الورقة الموقّعة أمام المحامي بما يتعلق بالتخارج، إذا لم يتم التخارج أمام المحكمة الشرعية، فهي غير ملزمة قانوناً لدى دائرة تسجيل الأراضي". وعند سؤاله عمّا إذا كان يجوز في عام 2014 إتمام التخارج بورقة موقّعة أمام محامٍ فقط دون تصديق المحكمة الشرعية، أجاب: "طبعاً لا، التخارج لا يُسجَّل إلا في مجلس القضاء في المحكمة الشرعية".

ويشدد أبو فرحة على أن توقيع المرأة خارج المحكمة لإخراجها من التركة "أمر غير صحيح لا في الماضي ولا في الحاضر"، مؤكداً أن "التخارج لا يتم إلا في مجلس القضاء أمام القاضي الشرعي بحضور المتخارجة والمتخارج له وشاهدين على هذا التخارج". كما أوضح أنه إذا لم تمثل السيدة أمام القاضي ولم يتم التأكد من رضاها، يمكن الطعن في التخارج وإبطاله، قائلاً: "المرأة المتخارجة إذا أرادت التخارج لا يتم إلا إذا مثلت أمام المحكمة الشرعية وأمام القاضي، ويتحقق القاضي من رضاها وموافقتها دون إكراه ولا إجبار من قبل أحد". وفيما يخص تطويب الأراضي استناداً إلى ورقة وُقِّعت خارج المحكمة، قال أبو فرحة: "إذا المرأة وقّعت على ورقة وتم بعد ذلك تطويب الأرض، من حقها إذا كانت لم تتخارج عن التركة لصالح المتخارج له أن تطعن في هذا التطويب، وأن هذا خلاف القانون".

حتى هنا تبدو الصورة واضحة: ورقة باطلة من منظور القضاء الشرعي، ولا يجوز الاستناد إليها لتطويب الأراضي. غير أن الجواب الذي قدّمته سلطة الأراضي قلب هذه الصورة رأساً على عقب.

سلطة الأراضي: السند العُرفي "حجة" تسقط حماية المحكمة

وضع هذا التحقيق سلطة الأراضي أمام التناقض الجوهري لنسأل: كيف يُمرر "تطويب" أراضي والدي السيدة "حلوة" استناداً إلى ورقة تنازل ترفضها المحكمة الشرعية؟

جاء الرد المكتوب من "مكتب تسوية الأراضي والمياه" في ديراستيا (محافظة سلفيت)، ليعترف صراحة بالاحتكام إلى منظومة تشريعية موازية تنسف اشتراطات المحاكم. مستنداً إلى ترسانة من القوانين القديمة، برر المكتب اعتماده للسندات العُرفية بالقول:

"أعمال التسوية للأراضي تنظر في جميع السندات سواء كانت رسمية أو عرفية، وذلك سنداً للمادة (7) من قانون التسوية رقم 40 لسنة 1952، والمادة (3) من قانون الأموال غير المنقولة رقم 51 لسنة 1958، والمادة (16) من قانون البينات الفلسطيني رقم 4 لسنة 2001 التي توضح حجية السندات العرفية".

بناءً على ذلك، أرست سلطة الأراضي في ردها قاعدة تقطع الطريق على إجراءات المحكمة الشرعية، مؤكدة أن "جميع البيوعات والإقرارات على الأراضي التي لم تخضع لأعمال التسوية، سواء أكانت رسمية أو عرفية، معتبرة وحجة على منظّمها وموقّعها".

وحول حالة "حلوة" تحديداً، دافع المكتب عن اعتماد ورقة التنازل العُرفية الموقعة بين الورثة، معتبراً إياها "إقراراً نافذاً" يتجاوز حصرية إجراءات التخارج الشرعي، وأوضح في رده: "هذا الإقرار حجة على موقعته (...) وليس هناك ما يمنع من اعتماده أمام التسوية حتى لو لم يكن تخارجاً. فالقانون لم يحدد طريقاً واحدة للتنازل عن هذه الحصص، ولم ينص على أنه لا يجوز تنازل الورثة بين بعضهم إلا بموجب حجة تخارج".

وبهذا التفسير النصي، تُلقي سلطة الأراضي بعبء إثبات "الإكراه" أو "الغبن" على الضحية، مبررةً تمرير معاملة "حلوة" بالقول: "النصوص القانونية واضحة، ولم يتم اتخاذ أي مقتضى قانوني لإثبات عكسها، وبناءً عليه تم اعتمادها في قطع الأراضي".

وفي مشهد يُحيل النساء إلى مسار قضائي شاق ومكلف للدفاع عن حصصهن، اكتفى المكتب بتوضيح آلية التعامل مع الاعتراضات المسجلة بآلية إجرائية بحتة: "تقديم أي اعتراض يحال إلى محاكم التسوية المختصة، ونتيجته تُقيّد سند التسجيل وتمنع صدوره حتى الفصل في الاعتراض".

قانونان.. وامرأة في صدع التشريع

هنا تتكشف العقدة الجوهرية التي يوثقها هذا التحقيق: ما يرفضه القاضي الشرعي بوصفه تصرفاً "غير معتبر" و"مخالفاً للقانون"، تُنفذه سلطة الأراضي باعتباره "حجة ملزمة" بقوة قوانين موازية. ففي حين تحصر المحاكم الشرعية التخارج في إطار شكلي لا يتم إلا في مجلس القضاء، تُكيّف سلطة الأراضي السند العُرفي الموقّع في الظل على أنه "إقرار" أو "تنازل" أو "بيع" بين الورثة؛ مستندةً إلى حزمة تشريعات نافذة (قانون الأموال غير المنقولة لسنة 1958، وقانون التسوية لسنة 1952، وقانون البينات لسنة 2001).

في هذا الصدع التشريعي، يُنصب الفخ. تُستدرج المرأة لتوقيع سند عُرفي، معتقدةً -بناءً على التوجيه السائد- أن ورقتها تفتقر لأي قيمة قانونية دون تصديق القاضي الشرعي. لكنها تُصدم لاحقاً بأن تلك "الخربشات" على الورق كانت تذكرة عبور كافية لتطويب الأراضي بأسماء إخوتها الذكور، وتمريرها تحت مسمى "إقرار بتنازل مقابل ثمن". هكذا، وبدلاً من أن توفر المنظومة القانونية الحماية للمرأة، تنقلب ضدها، وتُلقي على كاهلها وحدها عبء خوض معارك قضائية لإبطال السند.

هذا التشخيص للواقع التشريعي يؤكده الخبراء؛ إذ تعتبر المحامية عطاء الأعرج أن هذا التناقض يصنع ممراً آمناً لنسف ضمانات المحاكم، وتوضح: "هذا التضارب يفتح باباً واسعاً للالتفاف على الضوابط التي وضعتها المحاكم الشرعية لحماية النساء. إذ يكفي أن تُوقَّع ورقة بصيغة إقرار أو تنازل أو بيع لتُعتمد في إجراءات التسوية، فيما تبقى ضمانات أساسية -كالتحقق من الرضا، والتقييم العادل للحصة، وكشف الأموال- غائبة تماماً".

وتتقاطع هذه القراءة مع تحليل المحامي عدي عمار، الذي يضع يده على الخلل البنيوي في غياب النص المُقيِّد، مؤكداً أن "وجود أكثر من قانون ينظم المسألة ذاتها، دون نص تشريعي حاسم يُلزم بأن التنازل عن الحصص الإرثية بين الورثة لا يتم إلا عبر حجة تخارج شرعية، يعني عملياً أن كافة القيود الصارمة التي وضعها تعميم قاضي القضاة عام 2011 لحماية النساء، أصبحت قابلة للتجاوز بسهولة عبر البوابة الخلفية لسلطة الأراضي".

الثغرة لا تبدأ من الباب.. بل من النص نفسه

لا تقف مأساة "حلوة" عند حدود الخداع الفردي، إنما تمتد لتكشف خللاً وعشوائية في تطبيق الإجراءات الإدارية المعلنة. فقد حصل هذا التحقيق على وثيقة (وصل تقديم اعتراض) تقدمت به شقيقة "حلوة" لسلطة الأراضي عام 2021 لوقف "تطويب" الممتلكات بحجة توقيعها تحت الإكراه. ورغم أن الرد الرسمي لسلطة الأراضي -المُشار إليه سابقاً- يؤكد أن مجرد تقديم الاعتراض يُحيل القضية لمحاكم التسوية ويُجمّد سند التسجيل فوراً؛ إلا أن أحداً لم يلتفت لاعتراض الشقيقة -وفقاً لشهادة عائلتها- ليُستكمل نقل الملكية في تجاهل تام للقواعد المنصوص عليها.

وحتى حين يكون حق الطعن مكفولاً "على الورق"، فإنه يتحول في أروقة المحاكم إلى عقاب مالي ونفسي جديد؛ إذ يُلقى عبء إثبات "الغش" أو "الإكراه" بالكامل على كاهل الضحية المجرّدة من أوراقها. يُصادق القاضي الشرعي "أبو فرحة" على هذه المعاناة المُركّبة، واصفاً مسار دعوى إبطال التخارج بقوله: "دعوى الإبطال ليست سهلة صراحة؛ إنها إجراءات طويلة ومعقدة، وتتطلب من المرأة إحضار شهود يثبتون واقعة الإكراه".

في تلك المسافة الفاصلة بين: ورقة انتُزعت تحت الضغط، وقوانين تتنازع تفسير حجيّتها، ومسار قضائي باهظ التكاليف وشحيح الضمانات... تتسع الثغرة التي تتسرب منها حقوق النساء بصمت.

الأرقام تتحدث

وثائق "حلوة" وشقيقتها لا تمثل سوى قمة جبل الجليد. فالمعطيات التي قاطعها هذا التحقيق -مستنداً إلى الإحصاءات الرسمية والدراسات الحقوقية- تُثبت أن الحرمان من الميراث ليس استثناءً عابراً، إنما ظاهرة منهجية. تتغذى هذه الظاهرة على ثالوث مجتمعي قاهر (التبعية الاقتصادية، وضعف الوعي القانوني، والترهيب بالمقاطعة العائلية)، ليأتي "التضارب التشريعي" الموثق في هذا التحقيق كعنصر يُجهز على حقوق المرأة، ويتركها في متاهة قانونية محكمة الإغلاق.

في محاولة لقياس بعض ملامح الظاهرة ميدانياً، وزّع معدّ التحقيق استبياناً على عينة من 100 امرأة متفاوتات العمر في محافظة سلفيت خلال تموز/يوليو 2025. أظهرت النتائج أن نصف المشاركات لا يعرفن أن القانون الفلسطيني يضمن للمرأة حقها الكامل في الميراث، وأن ستة من كل عشر نساء لم يسمعن من قبل بمصطلح "التخارج"، وأن قرابة نصف المشاركات شاركن في حصر تركة أحد الوالدين أو الأقارب لكن أغلبهن لم يحصلن على كامل حصصهن، فيما تعرّض نحو ثلث المشاركات لضغوط أو يعرفن أخريات تعرّضن للضغط للتنازل عن حصصهن.

ورغم أن هذه النتائج تستند إلى عينة محدودة، فإنها تنسجم مع صورة أوسع تعكسها الإحصاءات الرسمية والدراسات المتخصصة. فبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2022 المنشورة في منتصف عام 2023 تشير إلى أن النساء يشكّلن نحو 49% من سكان فلسطين، لكن 12% فقط منهن يحصلن على حقوقهن الشرعية في الميراث مقابل 88% من الرجال. كما أظهر مسح الملكية والمصادر الذي أجراه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ونُشرت نتائجه عام 2019 أن 67% من النساء محرومات تماماً من ميراثهن. وفي دراسة أعدّها مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي عام 2014 شملت عينة من الأراضي الفلسطينية، لم تتجاوز نسبة النساء اللواتي حصلن على حصصهن الإرثية كاملة 3%.

وفي ورقة سياسات بعنوان "إلى متى حرمان المرأة من الميراث" الصادرة عام 2024 عن جمعية تنمية المرأة الريفية، ذُكر أن 74% من النساء لا يعرفن معنى التخارج ولا آثاره القانونية، ما يجعلهن فريسة سهلة للاستغلال، وأن 28% من النساء أفدن أنهن وقّعن على وكالات غير قابلة للعزل أدت إلى حرمانهن من حصصهن الإرثية. وتعزّز ورقة لوزارة شؤون المرأة نُشرت في كانون الأول/ديسمبر 2024 هذه الصورة، إذ تشير إلى أن أقل من 5% من النساء أفدن أنهن قمن بتسجيل الأراضي بأسمائهن، بينما 94.5% من الأراضي الزراعية سُجّلت بأسماء الذكور، وأن 10.5% فقط من النساء يمتلكن الماشية أو الدواجن حصرياً، فيما تُحرَم 72% من النساء العاملات في الإنتاج النباتي من ميراث أزواجهن، مقابل حرمان تام (100%) للعاملات في الثروة الحيوانية.

أما على مستوى الوعي، فرصدت الورقة أن أقل من خُمس النساء يقلن إنهن يعرفن كيفية تسجيل الأراضي بأسمائهن، وأن العائق الأكبر يتمثل في الثقافة المجتمعية التي تثني النساء عن المطالبة بميراثهن خوفاً من العنف أو المقاطعة العائلية. هذه الأرقام لا تقول فقط إن النساء يُحرمن من حقوقهن، بل تكشف أيضاً البيئة المثالية لتمرير التخارج أو التنازل أو الوكالة غير القابلة للعزل، خصوصاً في ظل منظومة تشريعية متعددة المرجعيات.

من تشريع للصلح.. إلى "منصة سلب" داخل القانون نفسه

على الورق، صُمم "التخارج" في القانون الفلسطيني -المستمد من الشريعة الإسلامية- كآلية "صلح" سلسة، تهدف لتسهيل تقسيم التركات ودرء النزاعات بين الورثة عبر تسويات رضائية وتوافقية. لكن هذا التحقيق يُسقط هذه الصورة المثالية؛ فالوقائع الموثقة تُثبت كيف انحرف هذا الإجراء عن غايته الأساسية، لتتحول هذه الآلية المرنة من أداة تنظيمية لحفظ الحقوق، إلى "ثغرة مقننة" وممر يُستغل لتجريد النساء من ميراثهن تحت غطاء قانوني مُحكم.

ولمواجهة هذا الخطر، أصدر رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي القائم بأعمال قاضي القضاة في حينه يوسف إدعيس في أيار/مايو 2011 تعميماً يضع قيوداً على تسجيل معاملات التخارج، تنص على عدم تسجيل التخارج قبل مضي أربعة أشهر من وفاة المورّث، وتقديم كشف تفصيلي لجميع الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتوفى موقّع من جميع الورثة ومصدّق من المجلس المحلي، وتقديم تقرير من ثلاثة خبراء يقدّر القيمة الحقيقية للحصص المراد التخارج عنها، والإعلان عن التخارج في صحيفة محلية لمدة لا تقل عن أسبوع ليتسنى لأي من الورثة الاعتراض.

بحسب أبو فرحة، فإن هذا التقييد قلّل فعلاً من تسجيل حجج التخارج. فهو يقول: "قديماً لم يكن هناك تقييد على إجراءات التخارج"، موضحاً أن تعميم قاضي القضاة "اشترط أن يكون التخارج بعد أربعة أشهر من تاريخ الوفاة، وكشف الأموال غير المنقولة، وتخمين من ثلاثة مخمّنين"، وأن هذا التقييد "قلّل من تسجيل حجج التخارج، أصبح أقل من أول بكثير". وعند سؤاله عمّا إذا كانت هناك ثغرات تُستغل لحرمان الإناث من الميراث تحت مسمى التخارج، أجاب: "قديماً كان"، مضيفاً أنه اليوم "لا يوجد غبن، نوضّح كل الأمور للمتخارج قبل أن يوقّع، ونعمل ضبطاً قبل أن نسجّل الحجة".

المفارقة الأبرز التي يوثقها هذا التحقيق، تتمثل في أن التشدد الإجرائي داخل المحاكم الشرعية لم يُغلق باب السلب، بل دفع به نحو مسار بديل؛ مسارٌ تُشرعنه سلطة الأراضي وتُعبّده حزمة قوانين متوازية.

ففي اللحظة التي يصرّ فيها قاضي القضاة على حصرية "التخارج" داخل مجلس القضاء وبشروط صارمة، تصطدم هذه الحماية بـ "ترسانة تشريعية مضادة": فقانون البيّنات لسنة (2001) يُقرّ بحجية السند العرفي على موقّعه، وقانون الأموال غير المنقولة لسنة (1958) يُجيز البيوعات العرفية في الأراضي غير المشمولة بالتسوية، وقانون التسوية لسنة (1952) يُلزم مأمور التسوية بالنظر في كافة السندات دون استثناء.

المحصلة الفعلية لهذا التضارب تتلخص في معادلة واحدة: ما تُسقطه المحكمة الشرعية من بابها الأمامي بوصفه تخارجاً باطلاً، يمر عبر سلطة الأراضي من الباب الخلفي ليُسجّل رسمياً تحت مسمى "تنازل" أو "إقرار" أو "بيع".

إلى جانب التخارج، تُستخدم الوكالة غير القابلة للعزل كأداة أخرى لحرمان النساء من ميراثهن. يوضح أبو فرحة أن "الوكالة غير القابلة للعزل هي التي تتم أمام كاتب العدل، يقوم فيها الشخص حال حياته بتسجيل بعض الأراضي مثلاً باسم بعض أولاده، فتكون هذه الوكالة الدورية غير قابلة للعزل، حيث إذا توفي الرجل فإن الوكيل الدوري هو من يقوم بعملية التطويب والتنازل لدى الجهات المختصة"، مضيفاً أنها "حتى لو مات الموكِّل، الوكيل الدوري يتنازل عن الحصة لصالح المشتري". وعند سؤاله عمّا إذا كان يمكن استخدام هذه الوكالة لحرمان أحد الورثة وخصوصاً الإناث، أجاب: "طبعاً، ممكن الأب يعمل وكالة دورية لأولاده الذكور وما يعمل للبنات الإناث، فبالتالي يكون حرمهم من التركة بموجب هذه الوكالة الدورية غير القابلة للعزل". وأشار إلى أن "التخارج أخطر من الوكالة الدورية، لأن التخارج ممكن يكون عن كل التركة".

قصص تتكرر… وقوانين متعددة لا يكفي أيٌّ منها

بعيداً عن قصة حلوة، تظهر الحاجة مهدية، البالغة من العمر 75 عاماً، وهي ترتب أوراق قضية الميراث التي رفعتها ضد أبناء زوجها. تقول: "بعد وفاة زوجي، رفض أولاده إعطائي حقي في الميراث، وادّعوا أن البيت المسجل باسمي هو حصتي الكاملة، رغم أن أملاكه أكبر من ذلك بكثير". القضية ما تزال في المحاكم، وهي تنتظر وصول دائرة الطابو إلى قريتها لتطويب المنزل باسمها رسمياً، لكنها تخشى أن تضيع باقي حقوقها. ويبيّن أخوها أن أولاد زوجها لم يُحضروا شهادة وفاة لوالدهم في محاولة للالتفاف على القضاء، كي لا يُجبروا على تقسيم تركته. ويقول: "وكّلنا محامياً بالقضية لتحصيل حقوق الحاجة مهدية، لكن الجلسات في كل مرة تؤجَّل، والعمر بخلص والمحاكم ما بتخلص!".

السيدة (س.ل) من محافظة نابلس واجهت شكلاً آخر من الضغط. تقول: "أشقائي وشقيقاتي أجبروني على التوقيع على وثيقة تنازل عن حصتي الإرثية مقابل 100 ألف شيكل، رغم معرفتي المسبقة أن حصتي تُقدّر بنحو نصف مليون شيكل". وتضيف: "جاءت شقيقاتي وضغطن عليّ أن أفعل مثلهن وأقبل بالتوقيع على وثيقة التخارج وإلا ستتبرأ العائلة مني، وجاء ابن شقيقي وهو محامٍ ووقّعني على ورقة تخارج". حاولت التراجع لاحقاً وطرقت أبواب مؤسسات نسوية كثيرة، لكن من دون جدوى.

ويروي السيد نائل من محافظة سلفيت ما حدث مع والدته وشقيقاتها، قائلاً إن خاله جاء لأمه وأخبرها أنه قدّر حصة والده بنحو 90 ألف دينار، وبالتالي فإن حصتها من تركته تكون 13 ألف دينار، فوقّعت له على وثيقة تتنازل فيها عن كامل حصصها الإرثية الخاصة بوالدها. ثم كانت الصدمة لاحقاً، كما يقول: "بعد وفاة جدتي أيضاً قام خالي ببيع قطعة أرض تعود لها، فذهبنا وسألناه عن حصة والدتي من تركة جدتي، لكنه أخبرنا أن الورقة التي وقّعت عليها والدتي تشمل تنازلها عن ميراثها من والدها وأمها". ويضيف: "أنا عارف حالات كثيرة لنساء تم تبصيمهن على وثائق تخارج دون فهم مضمونها".

حتى التحركات التشريعية المتأخرة بدت كمن يُعالج الأعراض ويتجاهل المرض؛ ففي عام 2023 صدر القرار بقانون رقم (6) بشأن تقسيم الحقوق الإرثية، متوعداً بإيقاع "العقوبة الأشد" على كل من يتلاعب في التقسيم. لكن هذا النص اكتفى بالعموميات العقابية، وأغفل مقاربة جوهر الإشكالية: التضارب المؤسسي بين القوانين التي تتقاسم صلاحية البت في التنازل عن الحصص الإرثية.

تُشرّح المحامية عطاء الأعرج هذا القصور التشريعي، مؤكدة أن "النص لم يأتِ بمعالجة شاملة؛ إذ غابت عنه تشديد العقوبات على من يرتكب جرائم تؤدي إلى حرمان المرأة من الميراث، كما أنه لم يعالج التضارب القائم بين قانون البيّنات وقانون الأموال غير المنقولة وقانون التسوية من جهة، وبين الضوابط الشرعية للتخارج من جهة أخرى".

وتضع الأعرج يدها على "الثغرة الصامتة" التي أبقاها المشرّع مفتوحة، لتضيف: "التخارج في حد ذاته ليس المشكلة، المشكلة تكمن في أن القانون لم يُلزم صراحة بأن التنازل عن الحصص الإرثية بين الورثة لا يكون إلا بحجة تخارج شرعية، وهو ما يفتح الباب أمام اعتماد أوراق عرفية لإسقاط حقوق النساء".

هذا الباب المُشرّع، حوّل الترهيب العائلي المعتاد إلى سلاح محميّ بقوة التشريع. وهنا يوضح المحامي عدي عمار أن "التخارج غالباً ما يُستعمل كأداة للضغط الاجتماعي أو العائلي، لكنه اليوم محمي بمنظومة قوانين تعتبر السند العرفي حجة على موقّعه. هذا التناقض يضع المرأة أمام معركة قانونية مزدوجة: عليها أولاً أن تثبت الإكراه أو الغش، وأن تواجه في الوقت ذاته نصوصاً قانونية تعتمد ما وقّعته بصرف النظر عن مسماه".

الخلاصة: ثغرة في القانون قبل أن تكون في التطبيق

يطوي هذا التحقيق أوراقه على حقيقة صادمة: سلب الميراث في فلسطين لم يعد مجرد فجوة بين النص والتطبيق، أو نتاجاً لضغط اجتماعي يُمارس على النساء في الغرف المغلقة؛ بل هو خلل بنيوي تصنعه المنظومة التشريعية ذاتها. فبين تشدد المحاكم الشرعية واشتراطها مثول الوريثة أمام القضاء، وتساهل سلطة الأراضي واعتمادها السندات العُرفية كحجة دامغة، تُسحق حقوق المرأة مرتين: الأولى حين تُجبر على توقيع ورقة تحت الإكراه أو التضليل، والثانية حين تُصدم بأن تلك الورقة التي قيل لها إنها "باطلة"، أصبحت سنداً رسمياً لـ "التطويب" ونقل أملاكها لغيرها.

وأمام هذا الواقع، تُجمع الرؤى الحقوقية والقانونية على أن الحلول الترقيعية وبرامج التوعية لم تعد تكفي، وأن إيقاف هذا النزيف يتطلب تدخلاً جراحياً في بنية التشريع.

يبدأ هذا الإصلاح بسنّ نص قانوني حاسم يحصر التنازل عن الحصص الإرثية بحجة التخارج الشرعي وحدها، ويُسقط الحجية القانونية لأي سند عُرفي أو إقرار خارج المحكمة في إجراءات التسوية. ولا يقف الإصلاح عند هذا الحد، إنما يتطلب تجريم الإكراه والخداع في قضايا الميراث بعقوبات مشددة، ومنح الضحايا حق "العدول" عن التخارج ضمن مهلة محددة، إلى جانب تخفيف رسوم التقاضي وإنشاء دوائر قضائية مختصة تسرّع البت في دعاوى الإبطال. والأهم من ذلك كله، توحيد المرجعية القانونية بحيث يُحظر على أي جهة رسمية إصدار قرار أو تنفيذ إجراء يخالف ما تقرره جهة رسمية أخرى في ذات الاختصاص.

وإلى أن يُرأب هذا الصدع التشريعي، ستظل قصص "حلوة" و"مهدية" وغيرهن مرشحة للاستنساخ اليومي. لتُترك حقوق النساء معلّقة ومستباحة؛ لا لتضيع في المسافة الفاصلة بين القانون والعرف فحسب، بل لتُسحق بين قانون وقانون.

 

تنويه: تم اعداد هذا التحقيق الاستقصائي بدعم من الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع Engage تنفيذ جمعية فلسطينيات بالشراكة مع جامعة النجاح الوطنية. ولا يعكس محتوى هذا التحقيق بأي شكل من الاشكال وجهة نظر الاتحاد الأوروبي.