بشار دراغمة - النجاح -  

بعد أيام من دوران عجلة المصالحة برعاية مصرية قبل أشهر، سرت شائعات إعلامية عن وضع قيود على محمود الزهار وصلاح البردويل وغيرهم لتشمل منعهم من الحديث في موضوع المصالحة، لكن حماس سارعت إلى نفي تلك الأنباء ووصفتها بالشائعات وشددت على أن الزهار والبردول هم قادة أساسيون في الحركة وصانعو قرار، مناسبة الحديث هي تصريحات الزهار اليوم التي وصف فيها الحكومة الفلسطينية بـ"غير شرعية" لأنها لم تُمنح الثقة من المجلس التشريعي، لم ينتهِ كل الزهار هنا بل دعا الأطراف ذات العلاقة لإبلاغ الوسيط المصري بصورة حازمة عن موقف المجلس التشريعي، من أجل إلزام حركة فتح بتنفيذ بنود اتفاقيات المصالحة. وطالب د. الزهار القوى الفلسطينية والأطر الوطنية الفاعلة لتقول رأيها صراحة في الجهة المعطلة للاتفاقيات المذكورة.

اللافت في كلام الزهار هو حجم التناقض الهائل فهو من جهة يصف الحكومة بغير الشرعية وبعدها يدعو لإلزام فتح بتنفيذ بنود المصالحة متناسيا أن أهم بنود المصالحة هو تمكين حكومة الوفاق الوطني، فكيف يطالب الزهار بتمكين حكومة لا يعترف بشرعيتها؟ وكيف وافقت حماس في السابق على تشكيل هذه الحكومة وتدخلت بشكل مباشر في تركيبتها.

ما يحدث اليوم وما يروجه الزهار يثير كابوسا من الرعب حول النوايا فالرجل يعيش جملة من التناقضات الداخلية وغير قادر على ضبط آلة التحكم بالجمل التي ينطق بها عبر الإعلام والقصة لا تتوقف عند مصطلح شرعية أو غير شرعية إنما تتعداها لما هو أبعد من ذلك، خاصة أن الزهار نفسه رحب بصلح حماس ودحلان وعقدوا معا جلسة لنواب قطاع غزة، وخطب فيهم دحلان خطابه عبر الفيديو كونفرس من الإمارات، وبالتالي من يعترف بدحلان ويريد الصلح معه لن يعيقه شكل الحكومة وشرعيتها، فقد ذهب بنفسه إلى ما هو غير شرعي بمنظور الجميع بمن فيهم حماس وليس فتح فحسب.

حماس اليوم تبحث عن مصالحها الحزبية الضيقة بامتياز وهي مستعدة لتجنيد آلتها الإعلامية ومسؤوليها الثرثارين لنسف كل شئ، مقابل تحقيق جملة من المصالح الضيقة في وقت تتعرض فيه القضية الفلسطينية لواحدة من أشد مراحلها خطورة.

اللافت أن هجوم الزهار جاء بعد مناسبتين هامتين. الأولى إعلان رئيس الوزراء الدكتور رامي الحمدالله استعداد حكومة لحل موضوع موظفي غزة وتخصيص جزء من ميزانية العام 2018 لحلحلة الموضوع، وهنا أدركت حماس أن كل الذرائع سُحبت من تحت قدميها وعليها أن تقفز خطوة إلى الأمام باتجاه تحقيق المصالحة.

أما المناسبة الثانية فتتعلق بخطاب الرئيس محمود عباس في مجلس الأمن الدولي وإعلانه من هناك مبادرة سلام بإطار جديد، وإعلانه أنه في حال لم يتدخل العالم لحل القضية الفلسطينية فإن الأمور ستذهب إلى ما لا يرضي أحداً.

لكن ما العلاقة بين مبادرة رئيس الوزراء لحلحلة الأمور في قطاع غزة وخطاب الرئيس في مجلس الأمن، الرابط هو أن د.الحمدالله والرئيس عباس ذهبا إلى حيث تريد حماس بالشقين الإداري التنفيذي والسياسي، فموضوع الموظفين كان هو ذريعة حماس لإعاقة تمكين الحكومة، والحركة نفسها من كانت تدعو الرئيس عباس للتمرد على الولايات المتحدة ورفض إملاءاتها والتخلص من عبء اتفاق أوسلو.

خطوتان بهذا الشكل كان يفترض أن تكونا محل ترحيب حركة حماس لكن أن يحدث العكس فهنا تُثار علامات سؤال كبيرة جدا.

موقف حماس الذي نطق به الزهار يؤكد أن المصالحة الفلسطينية ليست هدفا لحركة حماس وإنما العكس هو الصحيح، وذهاب الرئيس عباس إلى حيث تريد حماس من ناحية المواقف السياسية هو ما لا تريده حماس لأنها لن تستطيع مهاجمة الرئيس بعد ذلك إذا ما الذي يُحاك في السر؟

لا غرابة إن قلنا أن أحد السيناريوهات وأهمها لمواقف حماس هذه هي موافقتها ضمنيا على صفقة القرن الأمريكية والتي تقضي بإقامة كيان في قطاع غزة وبالتالي تضمن لنفسها كيانا في قطاع غزة يحظى بالرعاية الأمريكية، وطالما دحلان عاود الدخول على الخط مع حماس والكل بات يعلم مواقف بعض الدول العربية المؤيدة لصفقة القرن حتى تلك التي تحتضن دحلان، فمن الواضح أن ما يجري هو تسويق وهم الدولة في غزة وبعض الأراضي المحيطة لتكون دولة حماس المستقبلية.