بشار دراغمة - النجاح -
ما أكثر الحديث عن غزة هذه الأيام! صوتها يعلو ويكاد يجاور بعلوه قضية الأسرى، صوت غزة لم يخفت يومًا، لكن ضجيجه هذه المرة مختلف تمامًا، بالتزامن مع سير الأمور أكثر نحو العقلانية من العاطفية، واتجاه القيادة الفلسطينية لخطوات لا تُنهي التعاطف وإن كان فيها شئ من القسوة، لكنها تضع الجميع أمام حقائق ما يجري في جزء رئيس من الوطن.


على مدار السنوات العشر الماضية  كانت حركة حماس التي تسيطر فعليا على القطاع، تحمِّل الحكومة مسؤوليات الكهرباء، والماء، والرواتب، والصحة، والمعابر، والحج، والعمرة، والبطالة، والخريجين، والإسمنت، ومواد البناء، وحتى ارتفاع معدلات الإنتحار، والإعمار بعد الدمار، وأي مشكلة في قطاع غزة يتمُّ إلقاء اللوم فيها على الحكومة، حتى قبل تشكيل حكومة الوفاق الوطني، وعندما كانت حكومة إسماعيل هنية تمارس عملها، كانت حماس تسير بنفس نمط تحميل المسؤولية للسلطة الفلسطينية، وأيُّ تأخير في وصول الوقود أو الأدوية أو غيرها تُلقي باللوم على فورا على الحكومة.
وعلى مدار العقد الماضي من الزمن أنفقت الحكومة نحو (20) مليار دولارًا، وعمليًّا يمكن القول أنًّ حركة حماس كانت تحكم غزة بأموال السلطة الوطنية، ودون هذه الأموال ما كان لحماس أن تصمد في حكمها، بدليل تأثير اقتطاع علاوات الرواتب على مجريات الحياة في غزة، وكيف سارعت حماس إلى دعوة السلطة ولو "نظريًّا" لتسلم غزة بعد هذا الإجراء.
لكن السؤال، ما الذي أجبر القيادة الفلسطينية على تحمل عبء غزة عشر سنوات كاملة رغم فقدانها السيطرة على القطاع؟ وما الذي يدفعها اليوم لاتخاذ خطوات "قاسية"؟


على مدار العقد الماضي، كان هناك محاولات متكررة لإنجاز ملف المصالحة، وعقدت صولات وجولات في عدد من عواصم العالم وكان الأمل واحدًا بإنهاء الإنقسام، واعتقد أنَّ القيادة الفلسطينية كانت جادة لدرجة بعيدة في إنهاء الإنقسام، وإن لم يكن حبًّا في حماس فحتمًا لرفض انسلاخ غزة عن الدولة الفلسطينية المرتقبة، وكرر الرئيس "محمود عباس" الأمر مرارًا، "أن لا دولة في غزة ولا دولة بدون غزة"، فكانت السلطة مُجبرة على تحمل العبء المادي في سبيل إنهاء الإنقسام، بل القبول بأنَّ تكون الحكومة مصدرًا للإنفاق في غزة وأن تكون حماس جابية للأموال والعائدات دون أن يدخل خزينة وزارة المالية شيئًا، لكن بعد السنوات العشر، وفقدان الأمل بإعادة الوحدة، وجدت القيادة الفلسطينية نفسها ملزمة باتخاذ خطوات إضافية لتحقيق ذات الهدف ولو كان هناك أمل بإنهاء الإنقسام قريبًا، لاستمرت السلطة في ممارسة دور "الصراف الآلي" لحركة حماس في غزة، إلا أنَّ الأمور تزداد تعقيدًا أكثر مما مضى، وإنهاء الإنقسام بجولات الحوار لم يعد واردًا على ما يبدو.
لكن هذا يدفعنا للسؤال الأكثر صعوبة، كيف سينتهي الإنقسام إذا أوقفت السلطة دعمها لغزة؟ 


الإجابة الأسهل أنَّ ما يجري هي محاولات وليس أمرًا واقعًا، والمحاولة دومًا تحتمل النجاح أو الفشل وعليه فإنَّ الخيارات الواردة يمكن حصرها بالآتي:
•   حماس لن تكون قادرة على الإنفاق على غزة بحكم قلة الموارد في القطاع، فمجرد اقتطاع علاوات الرواتب أحدث ردود فعل غاضبة ضد السلطة إلا أنَّ هذه الردود دفعت حماس للشعور بالقلق، وبالتالي استمرار اقتطاع العلاوات وصولًا إلى أزمات في قطاع الكهرباء وغيره، حتمًا سيؤدي إلى ردود فعل باتجاه حماس التي ستجد نفسها مجبرة على تسليم القطاع، وإن كان بيد الحركة بعض الأوراق التي يمكن اللعب عليها الآن، مثل خيار التوجه إلى حرب مع إسرائيل وتغيير مجرى الاهتمام وكسب التعاطف معها، إلا أنَّ هذا الخيار سيكون مؤقتًا والحرب لن تستمر إلى الأبد وستعود حماس وأزمتها إلى ذات الواجهة.


•    أما الخيار الآخر أمام حماس إذا أصرَّت على عدم إنهاء الإنقسام وإعادة غزة لحكم السلطة فهو إقامة علاقات مباشرة مع إسرائيل، وتل أبيب لن تتردد في تلقف علاقة انتظرتها طويلًا مع حماس، ربما يكون ثمنها اعتراف الأخيرة بإسرائيل مقابل الحفاظ على وجودها في غزة، وهنا تضحي حماس بالصورة التي رسمتها أمام المتعاطفين معها لجباية ثمن البقاء، وربما تكون الوثيقة التي تعتزم الحركة إعلانها قريبًا تحت عنوان "وثيقة المبادئ والسياسات العامة"، هي خطوة كبرى في اتجاه هذا الخيار خاصة أنَّ الوثيقة تذهب نحو تعديل كبير بعد (30) سنة من اعتماد الوثيقة السابقة، على العمل السياسي لحماس خاصة على مستوى "تأكيد اعتدال الحركة" بالاعتراف بالحدود الرسميَّة للدولة الفلسطينية المعترف بها باسم حدود (1967)، وتأكيد "الطابع السياسي" للصراع مع إسرائيل "لا الديني"، وهو ما يمثل اعترافًا أوليًّا بإسرائيل قد يتبعه اعترافات أخرى.

من الخيارات السابقة يمكن القول أنَّ السلطة لعبت آخر أوراقها لإعادة غزة للمشروع الوطني، فإمَّا أن تتجه حماس لإنقاذ المشروع وإمَّا أن تلقي بنفسها في أحضان إسرائيل وتقتل حلم الدولة.