النجاح الإخباري - بقلم: رائد محمد الدبعي
من المبكر للغاية الافتراض بأن لقاءات القاهرة ستُشكّل اختراقًا حقيقيًا في حالة الانقسام الفتحاوي الداخلي، فعلى الرغم من أنها تمثل اللقاءات العلنية الأولى على مستوى اللجنة المركزية لحركة فتح وقيادة تيار الإصلاح الديمقراطي، وبمشاركة قيادات من الصف الأول في الجانبين، فإن الطريق نحو استعادة الوحدة التنظيمية لا يزال طويلًا، وتحيط به ملفات سياسية وتنظيمية وشخصية متراكمة على امتداد عقدين.
ومع ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية اللغة الجديدة التي استخدمها نائب رئيس حركة فتح حسين الشيخ خلال لقاءه بالإعلاميين، عندما وصف الخلاف مع التيار بأنه " خلاف داخل البيت الفتحاوي " . فالعبارة، تمثل تحولًا عن الخطاب الذي ساد خلال السنوات الماضية، وتراوح بين التشدد الكامل، ووصف رئيس التيار وقياداته ونشطائه بالمنشقين، وفصل عدد كبير منهم من الحركة والوظيفة العامة، وصولًا إلى تبادل الاتهامات وحملات التشهير عبر وسائل الإعلام.
صحيح أن الخطاب الفتحاوي شهد في بعض المراحل قدرًا من الليونة، بفعل جهود بذلتها عواصم عربية، وفي مقدمتها القاهرة، التي تُسجَّل لها مساعيها الحثيثة واهتمامها بوحدة حركة فتح، إلا أن الطرح السابق ظل قائمًا على اشتراط العودة الفردية إلى الحركة، من خلال تقديم طلبات منفصلة، وهو ما رفضه معظم قادة التيار ونشطائه.
وقد بدا تعثر هذا المسار جليًا خلال التحضيرات للمؤتمر العام الثامن لحركة فتح، الذي كان يمكن أن يشكل فرصة حقيقية لتصليب وحدة الحركة ولملمة أوضاعها الداخلية، لكنه لم ينجح في معالجة ملف التيار، رغم الجهود المصرية الحثيثة في هذا الشأن.
حوار فرضته الظروف
من الواضح أن الأسباب التي دفعت باتجاه الحوار الحالي هي أسباب موضوعية أكثر منها ذاتية. فعلى الصعيد الذاتي، وعلى الرغم من عقد حركة فتح مؤتمرها العام الثامن، لا تزال الحركة تواجه تحديات داخلية عميقة تبدأ من خليتها الأولى المتمثلة في اللجنة المركزية، وتمتد إلى غياب الرؤية السياسية والبرامج والسياسات الواضحة عن جزء مهم من أجندة المؤتمر.
لذلك، يبدو النظر إلى الحوار بين الحركة والتيار بوصفه نتيجة مراجعة ذاتية شاملة لواقع فتح تحليلًا بعيدًا عن القراءة الدقيقة لمجريات الأمور، إذ لم تصدر مؤشرات واضحة على وجود مثل هذه المراجعة، سواء قبل المؤتمر أو خلاله أو بعده، مع أن المؤتمر مثّل لحظة مناسبة لمعالجة الانقسام الداخلي وإعادة بناء الحركة على أسس سياسية وتنظيمية جديدة.
ومع ذلك، يرى بعض المتابعين للشأن الفتحاوي أن توزيع المواقع داخل اللجنة المركزية بعد المؤتمر حمل إشارات مبكرة إلى إمكانية إحداث اختراق في العلاقة مع التيار، أو على الأقل فتح قنوات للحوار لم تكن متاحة سابقًا.
لكن العامل الأهم الذي دفع الأطراف إلى الطاولة لم يأتِ من داخل فتح وحدها، بل فرضته التحولات الكبرى التي شهدها قطاع غزة، وإعادة تشكل موازين القوى داخل الساحة الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر.
غزة وصعود الحضور السياسي للتيار
شكّلت مآلات حرب الإبادة الجماعية ضد شعبنا في قطاع غزة، والأوضاع الإنسانية والسياسية الكارثية التي خلّفتها، فرصة لتيار الإصلاح الديمقراطي لتعزيز حضوره، من خلال نجاحه في الظهور بوصفه وسيطًا سياسيًا وتنظيميًا وميسّرًا إقليميًا للمساعدات الإنسانية.
وقد نجح محمد دحلان في استثمار علاقته الوثيقة بدولة الإمارات ضمن ثلاثة مسارات متوازية: الإغاثة الميدانية، واستثمار الدعم الإماراتي، والتحرك السياسي المتعلق بمستقبل قطاع غزة.
على المستوى الميداني، شكّل التيار لجان طوارئ محلية من كوادره في محافظات قطاع غزة ومناطق النزوح، وشاركت هذه اللجان في توزيع الطرود الغذائية والصحية والملابس والاحتياجات الشتوية، وتوفير الخيام ومواد الإيواء، وتشغيل المطابخ وتقديم الوجبات، وتوزيع المياه والطحين والمستلزمات الأساسية، إلى جانب مساعدة بعض المستشفيات والمراكز الصحية بالأدوية والمعدات الطبية.
كما عملت اللجان على رصد احتياجات النازحين ونقلها إلى الجهات الممولة والمنفذة، والمشاركة في توزيع جانب من المساعدات الإماراتية، وتقديم مساعدات اجتماعية لبعض أسر الشهداء والجرحى والعائلات التي فقدت منازلها.
أما على صعيد الدعم الإماراتي، فقد ارتبط اسم دحلان بالمساعدات التي قدمتها دولة الإمارات في إطار عملية " الفارس الشهم 3" ، التي أُطلقت في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، ونُفذت من خلال مؤسسات وجهات إماراتية رسمية وخيرية عدة.
ووفق الأرقام الإماراتية الرسمية المنشورة في آب/أغسطس 2026، والتي لم تؤكد تفاصيلها بصورة مستقلة مصادر أممية، تجاوز حجم المساعدات 126 ألف طن، بقيمة معلنة تزيد على 3.89 مليار دولار.
وشملت هذه المساعدات إقامة مستشفى ميداني داخل قطاع غزة وآخر عائم في مدينة العريش المصرية، ونقل أطفال جرحى ومرضى سرطان للعلاج في الإمارات، وإدخال الغذاء والدواء ومواد الإيواء، وإنشاء محطات لتحلية المياه وخطوط لنقلها من رفح المصرية إلى جنوب القطاع، وإقامة مخابز آلية ودعم مخابز ومطابخ شعبية قائمة، وتوفير سيارات إسعاف وصهاريج للمياه والصرف الصحي، وتنفيذ عمليات إسقاط جوي، إلى جانب برامج لتوفير الأطراف الصناعية وتأهيل مصابي البتر.
ولا يعني ذلك أن هذه المساعدات كانت تمويلًا شخصيًا من دحلان؛ فهي مساعدات إماراتية بقرار وتمويل وإدارة إماراتية. لكن علاقته الوثيقة بأبوظبي، ووجود شبكة تنظيمية تابعة لتياره داخل غزة، منحاه دورًا في تسهيل الدعم، وتحديد بعض الاحتياجات، والمساهمة في إيصال المساعدات وتوزيعها.
وقد جاء ذلك في وقت تواجه فيه السلطة الوطنية الفلسطينية حصارًا ماليًا واقتصاديًا متواصلًا، وتجفيفًا لمصادر تمويلها، إلى درجة عجزها عن دفع رواتب موظفيها كاملة. وأسهم هذا التباين في تعزيز حضور التيار وصورة دحلان داخل قطاع غزة، نتيجة ارتباط اسمه بالمساعدات المقدمة في واحدة من أشد المراحل الإنسانية قسوة.
من الإغاثة إلى مشروع سياسي
لم يتوقف تحرك دحلان عند الإغاثة. فقد استثمر علاقاته العربية والدولية في التواصل مع مصر والإمارات وحماس وفصائل فلسطينية أخرى، وطرح فكرة إدارة قطاع غزة من خلال لجنة انتقالية تتولى البلديات والمستشفيات والتعليم والإغاثة وإعادة الإعمار، مع الدفع باتجاه تأمين المعابر وقوافل المساعدات بواسطة قوة فلسطينية محلية بعيدة عن الصدام الفصائلي.
وبذلك، نجح دحلان في تقديم نفسه وتياره باعتبارهما حلقة اتصال محتملة بين قطاع غزة والدول العربية القادرة على تمويل إعادة الإعمار، بالإضافة الى علاقاته الوثيقة بإدارة ترامب فيما يتعلق بملف غزة .
وقد ساهم هذا الدور في التقارب بين حماس وتيار الإصلاح، مدفوعًا بأسباب موضوعية تتعلق بالأزمة التي تعيشها الحركة، وشروط المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية، ويبدو أن حماس وجدت في دحلان قناة محتملة للتواصل غير المباشر مع أطراف إقليمية ودولية تدرك الحركة أنها ستحتاج إلى التعامل معها في ترتيبات ما بعد الحرب وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.
بناء على ما سبق، جاء اعلان الاتفاق على إقامة ائتلاف انتخابي واسع قد يضم تيار الإصلاح الديمقراطي، وحماس، والجهاد الإسلامي، التي يبدو أنها ستشارك بدعم الائتلاف انتخابا لا ترشيحا، ولجان المقاومة الشعبية، والملتقى الوطني الديمقراطي الفلسطيني برئاسة الدكتور ناصر القدوة، وربما لاحقًا الجبهتين الشعبية والديمقراطية، اللتين لم تحسما موقفهما النهائي من هذا التوجه، وهو الأمر الذي يشير إلى ما يتجاوز تشكيل قائمة انتخابية، نحو إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني ورسم خريطة جديدة لتوزيع القوى داخله.
فحماس تخرج من الحرب مثقلة بالخسائر والضغوط، وتدرك استحالة حصولها على القبول الدولي أو المشاركة في ترتيبات الحكم وإعادة الإعمار بصيغتها السابقة على المدى المنظور، وفي المقابل، يعتقد دحلان أنه يستطيع توظيف حاجة الحركة إلى الشرعية والقبول الإقليمي والدولي، وإدماجها ضمن ائتلاف أوسع يمكن التعامل معه عربيًا ودوليًا.
حوار من موقع القوة
في هذا السياق جاء اللقاء بين قيادة فتح وتيار الإصلاح؛ أي في مناخ يشعر فيه التيار بأنه بات أكثر قوة وقدرة على وضع شروطه على الطاولة.
وين الاستدلال من تصريحات قيادة التيار بعيد الاجتماع، أن مطالب التيار تتوزع بين إعادة جميع المفصولين إلى الحركة، ومعالجة أوضاع من فُصلوا من وظائفهم وحقوقهم المالية خلال السنوات الماضية، وإعادة دمج كوادر التيار في هياكل الحركة ومواقعها القيادية والمتوسطة والقاعدية، وربما التفاهم على شكل المرحلة المقبلة والإجابة عن سؤال الخلافة داخل النظام السياسي الفلسطيني.
لهذه الأسباب، لا تبدو الوحدة التنظيمية الكاملة سهلة أو قريبة. وقد يكون الأكثر واقعية الاتفاق على خريطة طريق تتضمن خطوات فورية لبناء الثقة، وأخرى قابلة للتطبيق على المدى المتوسط، تشمل الحقوق التنظيمية والوظيفية والمالية للمفصولين، ووقف الحملات الإعلامية، وتشكيل لجنة مشتركة لمعالجة القضايا العالقة، والتوافق على قواعد المشاركة في الانتخابات.
الموقف العربي ومأزق تحالف أعداء الأمس
هناك قضيتان لا بد من التوقف عندهما. تتمثل الأولى في الموقف العربي الراغب في توحيد حركة فتح، باعتبار ذلك مدخلًا مهمًا لإصلاح الحركة الوطنية الفلسطينية والنظام السياسي الفلسطيني. ومن ثم، فإن تلكؤ أحد الأطراف أو تعطيله مسار الحوار قد يترك تداعيات على علاقاته بعدد من القوى المؤثرة في الإقليم، وفي مقدمتها مصر والسعودية والإمارات والأردن.
أما القضية الثانية فتتعلق بحالة الرفض التي تعتري جانبًا من القواعد والقيادات الوسطى داخل تيار الإصلاح وحركة حماس، بعد الحديث عن إمكانية تشكيل ائتلاف انتخابي يجمع أعداء الأمس.
فعلاقة دحلان بحماس لم تتوقف عند حدود الخصومة السياسية، بل تحولت في مراحل عديدة إلى عداء عميق؛ إذ سخّر كل طرف إعلامه ومنصاته لشيطنة الآخر، وقامت سردية كل منهما، في جانب منها، على تحميل الطرف المقابل مسؤولية الانقسام وما ترتب عليه.
لذلك، فإن الانتقال المفاجئ من العداء إلى التحالف، مهما كانت دوافعه السياسية مفهومة، يحتاج إلى توطئة أعمق بكثير من الشعارات العامة حول المصلحة الوطنية ومواجهة التحديات. فالقواعد التنظيمية التي جرت تعبئتها ضد الطرف الآخر سنوات طويلة لا يمكن إقناعها بين ليلة وضحاها بأن الخصم ذاته أصبح حليفًا انتخابيًا.
وربما تجد حماس وتيار الإصلاح في تشكيل تحالف وطني واسع يضم الكل الفلسطيني، بما في ذلك حركة فتح والأخ مروان البرغوثي، بما يحمله من رمزية نضالية ووطنية جامعة، صيغة أكثر سلاسة وأقل تكلفة داخليًا، وأكثر قابلية للتبرير أمام قواعدهما التنظيمية.
هل تُجرى الانتخابات فعلًا؟
في قراءة السيناريوهات المقبلة، لا يمكن تجاهل أن الرئيس محمود عباس لا يزال الشخصية الفلسطينية الأكثر قدرة على تحديد المسار، بصفته رئيس حركة فتح، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية. ولذلك، فإن قراره سيبقى العامل الأكثر تأثيرًا في ترجيح أي سيناريو يتعلق بالمصالحة الفتحاوية أو الانتخابات أو إعادة تشكيل النظام السياسي.
ومع ذلك، فإنني أرجّح تأجيل الانتخابات التشريعية إلى موعد لاحق، تحت مبرر استحالة إجرائها في ظل الظروف القائمة في قطاع غزة، وعدم وضوح آليات تنفيذها في القدس، وغيابها عن سلم أولويات الولايات المتحدة الأميركية، التي تركز على تمكين لجنة إدارة قطاع غزة وترتيبات اليوم التالي للحرب.
كما أن توقيت الانتخابات الفلسطينية يبدو بالغ الصعوبة من الناحية العملية، لكونها تأتي بعد فترة قصيرة من الانتخابات الإسرائيلية. وهذا يعني أن بنيامين نتنياهو، سواء فاز أو خسر، قد يظل رئيسًا للحكومة خلال مرحلة تشكيل ائتلاف حكومي جديد، في وقت يُتوقع فيه استمرار الرفض الإسرائيلي لإجراء الانتخابات الفلسطينية في القدس، وعرقلتها في قطاع غزة، وربما في عدد من المناطق المصنفة «ج».
وقد يفتح تأجيل الانتخابات، على الرغم من مخاطره السياسية والدستورية، نافذة إضافية للحوار الفتحاوي والوصول إلى تفاهمات أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ. لكن ذلك يبقى مشروطًا بألا يتحول التأجيل إلى بديل دائم عن الاحتكام إلى الإرادة الشعبية وتجديد شرعية مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني.
لقاءات القاهرة مهمة، لكنها ليست اختراقًا بعد، أهميتها الحقيقية أنها كشفت أن استمرار الانقسام أصبح أكثر كلفة على الجميع، وأن التحولات في غزة والتحالفات الانتخابية المحتملة أعادت فرض ملف وحدة فتح على الطاولة.
ويبقى السؤال: هل تتحول هذه اللقاءات إلى مراجعة حقيقية تعيد بناء فتح وتفتح الطريق أمام وحدة وطنية أوسع، أم تبقى مجرد مناورة انتخابية فرضتها مخاوف كل طرف من خرائط القوة الجديدة؟
الإجابة لن تقدمها التصريحات، بل الخطوات العملية التي ستتخذها الأطراف في الأيام المقبلة.