النجاح الإخباري - في الوقت الذي يسعى فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى فرض ترتيبات جديدة على الساحة الدولية عبر ما يُسمى «مجلس السلام»، تكشف الصحافة العبرية عن انقسام واضح بين الدول الغربية الكبرى حول هذه المبادرة، التي يرى منتقدوها أنها تهدف إلى تجاوز منظومة الأمم المتحدة وإخضاع القرار الدولي لإرادة واشنطن.
دافوس: ضغط أميركي على القادة
وبحسب صحيفة «هآرتس» العبرية، افتُتح مساء أمس في دافوس الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي، «في ظل الضغوط والتهديدات التي يمارسها رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب تجاه دول الغرب، والاضطرابات التي يُحدثها في المنظومة الدولية بأسرها».
ونقلت الصحيفة عن دبلوماسيين تقديرهم بأن «التقارب الزمني بين إعلان ترامب عن إقامة مجلس السلام، وبين انعقاد المنتدى الاقتصادي، جاء بهدف الضغط على القادة للانضمام إلى الهيئة الجديدة».
وأشارت إلى أن حفل التوقيع على ميثاق المجلس من المقرر أن يُقام يوم الخميس في دافوس، حيث يُتوقع أن يُلقي ترمب خطاباً برفقة عدد من كبار مسؤولي إدارته، من بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف.
تحفظات غربية وأسئلة بلا إجابات
غير أن الصحيفة نقلت عن مصدر غربي رسمي تقديره بأن «معظم قادة الدول الغربية الكبرى لا يُتوقع أن يقدّموا في الأيام القريبة إجابات نهائية بشأن مجلس السلام».
وقال المصدر للصحيفة: «لدى الحكومات الغربية أسئلة كثيرة تتعلق بميثاق المجلس وبأساسه القانوني. وأتوقع أن تُناقش هذه القضايا في دافوس، وقبل حلّ هذه الأسئلة لن تكون هناك إجابة واضحة بشأن الانضمام إلى المجلس أو عدمه».
فرنسا: رفض ضمني للمبادرة
وأشارت الصحيفة إلى أن فرنسا كانت «الدولة الأولى التي وجّهت انتقادًا ضمنيًا لمبادرة ترامب»، حيث قال متحدث باسم الرئيس إيمانويل ماكرون إن فرنسا «لا تعتزم الانضمام إلى المجلس في هذه المرحلة».
ونقلت عن مسؤول فرنسي رفيع قوله إن ميثاق مجلس السلام «يثير أسئلة جوهرية، ولا سيما فيما يتعلق باحترام مبادئ وبنية الأمم المتحدة».
وأكد بيان رسمي لوزارة الخارجية الفرنسية «أهمية تطبيق قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803، ولا سيما ضرورة تعزيز المساعدات إلى القطاع».
وأقرّت الصحيفة بأن «ميثاق مجلس السلام، الذي صيغ في البيت الأبيض، لا يتناول إطلاقًا قرار مجلس الأمن الذي أشارت إليه فرنسا»، مشيرة إلى أن الرسالة الفرنسية تسعى إلى «إعادة قرار الأمم المتحدة الأصلي إلى صدارة النقاش، وإلى إعادة التأكيد على الولاية المحدودة لمجلس السلام».
بريطانيا وألمانيا: تصريحات حذرة
أما بريطانيا وألمانيا، فاكتفتا بتصريحات حذرة، حيث قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إن بلاده «معنية بالمشاركة في المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة، وتناقش حاليًا مع شركائها الشروط اللازمة لذلك»، فيما أدلى متحدث باسم الحكومة الألمانية بتصريح وصفته الصحيفة بأنه «شبه مطابق في مضمونه وطابعه».
روسيا تدرس الدعوة
وأكدت الصحيفة أن الكرملين أكد رسمياً توجيه دعوة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين للانضمام إلى المجلس، حيث قال المتحدث باسمه دميتري بيسكوف إن موسكو «تدرس جميع تفاصيل هذا الاقتراح وتأمل بإجراء اتصالات مع الجانب الأمريكي لتوضيحها».
وأشارت الصحيفة إلى أن «احتمال انضمام بوتين إلى المجلس يُعدّ بمثابة خط أحمر بالنسبة لكثير من قادة أوروبا»، مضيفة أن من بين «الألغام الكامنة في الاقتراح الأمريكي» المطالبة بأن «يخضع المجلس لسيطرة ترامب شبه الكاملة وأن يشكّل آلية منافسة للأمم المتحدة».
إيطاليا وبيلاروس: استعداد للانضمام
في المقابل، نقلت الصحيفة أن رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني أكدت أن بلادها «مستعدة لأن تكون شريكة» وقادرة على «لعب دور بارز» في بناء السلام في الشرق الأوسط، «من دون أن تطرح أي تحفظات بشأن شروط الانضمام».
كما أعلنت بيلاروس أن رئيسها ألكسندر لوكاشينكو «مستعد للانضمام إلى المجلس»، وأعربت عن أملها في أن «يوسّع المجلس صلاحياته إلى ما يتجاوز الولاية الأصلية للمبادرة».
ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي غربي قوله: «لماذا نبقى في الخارج إذا كان بإمكاننا أن نكون في الداخل؟»، مؤكداً أن العضوية «ستكون مجانية» لدولته خلال السنوات الثلاث الأولى، ومضيفاً: «مجلس الأمن الدولي مشلول بالكامل أصلًا، وغير قادر على حل النزاعات. هذا شكل جديد من حكومة العالم».
الدول الوسيطة والعربية
وأوردت الصحيفة أيضًا أن مصدر من إحدى دول المنطقة صرّح بأن الدول الثلاث الوسيطة في اتفاق وقف إطلاق النار في غزة – قطر وتركيا ومصر – «ستنضم إلى مجلس السلام أيضًا على مستوى القادة».
ونقلت عن مصادر أخرى قولها إن هذه الدول «المنخرطة بعمق في محاولة صياغة الحل في غزة وفق تصوراتها، لا تستطيع أن تسمح لنفسها برفض ترامب».
وأشارت إلى أن المغرب «أعلنت أمس أنها استجابت إيجابيًا لدعوة ترامب للانضمام إلى المجلس»، فيما قال دبلوماسي آخر للصحيفة إن «مصير مجلس السلام قد تحسمه دول الخليج، التي لم تُعرف بعد ردودها على اقتراح ترامب».
وبحسب الميثاق، سيكون ترامب أول رئيس لـ”مجلس السلام”، مع صلاحيات واسعة جدًا، إذ سيكون وحده المخوّل دعوة قادة آخرين للانضمام، وله حق إلغاء مشاركتهم، إلا في حال استخدام “حق النقض” بغالبية ثلثي الدول الأعضاء، إضافة إلى حقه في مراجعة جميع الأصوات.
وينص الميثاق على أن “كل دولة عضو تتمتع بولاية مدتها القصوى ثلاث سنوات من تاريخ دخول الميثاق حيّز التنفيذ، قابلة للتجديد من جانب الرئيس”، على ألا تسري هذه الولاية على الدول التي تدفع أكثر من مليار دولار نقدًا خلال السنة الأولى.
وأعلنت دول وقادة عدة تلقّيهم دعوات للانضمام إلى المجلس، من دون حسم موقفهم من القبول أو الرفض، من بينهم فلاديمير بوتين، الذي قال الكرملين إنه تلقّى الدعوة عبر “قنوات دبلوماسية”.
كما أعلن كل من الرئيس الأرجنتيني، خافيير ميلي، ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، وكلاهما مقرّبان من ترامب، تلقيهما دعوات مماثلة.
يبقى السؤال الجوهري معلقاً: هل يهدف «مجلس السلام» فعلاً إلى تحقيق الاستقرار في غزة والمنطقة، أم أنه أداة لتجاوز القانون الدولي وفرض ترتيبات تخدم أجندات محددة بعيداً عن إرادة الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة؟