نابلس - النجاح - نابلس .. مدينة الجمال الجالسة بكبرياء وشموخ فوق عيبالها وجرزيمها، تروي تاريخًا تفوح رائحته من أزقتها، تفرد ثوبها من رأس العين حتى واد التفاح، من قمتها حتى القاع ثوب مرصّع بآيات الجمال.

تزهو بين المدن متفوّقة عليهن بعاداتها وتقاليدها وطقوسها التي تنفرد بها، في هذه الأثناء من العام ومع بدء شهر شعبان، تتحضر نابلس بأسواقها وبيوتها وشيبها وشبابها وأطفالها للشعبونية، وهي طقس اعتادت عليه المدينة وتوارثته جيلًا بعد جيل، لتصبح من أجمل العادات النابلسية الأصيلة، عادة صلة الرحم والترابط الأسري الذي تميّزت به العائلات الفلسطينية القديمة حيث كانت الأسر ممتدة، يعيش في البيت الواحد الأجداد والآباء والأخوة والأخوات وأحيانًا الأعمام، ولكل فرد فيها قيمته ودوره، نظام اجتماعي يفرض ارتباط الكنة بأهل زوجها "دار الحما" فتمتثل لقوانين الأسرة الجديدة، لا تزور أهلها إلا بين حين وحين وبموافقتهم، لذا حرصت العوائل على جمع "الولايا" على موائدها، بأجواء مفعمة بالبهجة والسرور، يسمى العازم واصل الرحم يعزم كل امرأة تمت له بصلة، ليعوضها غياب الأيام والشهور، تمكث في داره مدّة تختلف من بيت لبيت حسب الحالة المادية للعازم، لتمتدد من يوم إلى سبعة أيام، تقضيها النساء في بيت القريب، سواء عم أو خال أو أخ أو أب.

وعن طبيعة هذه العادة الضاربة في القدم تحدّثت الأستاذة الجامعة للتراث النابلسي، عريب العزيزي، لـ "النجاح" بقولها: " تعود الشعبونية للعهد العثماني، وتعتمد على دعوة رب المنزل لقريباته الإناث في أحد أيام شهر شعبان من أخوات وعمات وخالات وبنات الأخوة والأخوات، وهي عادة ولدت للحفاظ على الترابط الأسري، تتميز بها نابلس دون سواها من المدن".

وأضافت وهي العارفة لهذه العادة بتفاصيلها: "تستعد الأسواق لهذا العرف الاجتماعي، وتتهيأ لاستقباله من اليوم الأول من شهر شعبان، حيث يزداد الاقبال على شراء الحاجات والمستلزمات للغني والفقير، عادة قد ترهق رب الأسرة ماديًا إلا أن عائدها النفسي والاجتماعي أغلى على قلوبهم".

وأوضحت العزيزي أنَّ الناس اعتادوا أن يطبخوا اللخنة الخضراء أو الكوارع أو الباذنجان المحشي، أو الدوالي، أو العكوب حسب المواسم تحضره النسوة مجتمعات في أجواء من الغناء، وبعد الوجبة الدسمة لا بد من التحلاية لتمدَّ صواني الكلاج "أولاز" بالجبنة أو اللوز، أو الكنافة النابلسية، وقبلها عبر الأزمان كانت الأكلات أبسط مثل الأرز بحليب، أما الرجال فقد يحضرون على مائدة الغداء في اليوم الأوَّل، ويغادرون تاركين للنساء فرصة اللقاء أيامًا، أو يحضرون في اليوم الأخير من الشعبونية؛ ليصحطحبوا نساءهم.

ومنحتنا العزيزي مفردات نابلسية جديدة وهي تشرح طقوس الشعبيونية، بقولها: " تقضي النساء أجمل الأوقات في بيت العائلة، ينثرن الفراش من السمندرة – خزانة بالحائط مخصَّصة للفراش- يتجاذبن أطراف الأحاديث الشيقة وينعشن الذاكرة بمواقف صاخبة، أما الأطفال فلهم عالمهم الخاص، ينغمسون بالألعاب النابلسية التقليدية كالسبع حجار، والاستغماية، والبنانير، والأكزة، وكانت البيوت متباعدة محوّطة بالحواكير، تنزل لها النساء ثاني أيام الشعبونية، يتزيّنّ بأطواق الياسمين، يغنين الأغاني النابلسية ويرقصن، وبالسهرة يدق النقرزان، أو الدف، أو الطبلة "الدربكة" ويلعبن الرجيس وهي لعبة فيها غالب ومغلوب، بين التشجيع للفائزة والشماتة مزاحًا للخاسرة، يسامرن الليل حتى آخر خيط للنعاس، في الصباح يتوافدن على المطبخ تباعًا إثر سيّدة البيت الكبيرة، لتحضير وجبة الإفطار المكوّنة من الفتوت، والبيض المسلوق وفتة الحمص، المعجنات والتبولة، وتضبط سيدة المنزل الكبيرة هذه الفعاليات حتى اليوم الأخير حيث تتعاون النسوة بتلييف البيت وتلميعه بالصابون البلدي، دون كلل أو ملل يعشن فترة من الصخب المحبّب للنفس.

نابلس هي المدينة الوحيدة في العالم التي تحيي هذه المناسبة المتوارثة عن الآباء والأجداد تشاطرها دمشق ببعض الملامح، أما ليلة 15/ شعبان فيسمى "يوم الشعلة" يوم ديني يحتفل فيه تذكيرًا بقرب شهر رمضان حيث تضاء أسطح البيوت بالشعلة، فرحة غامرة خاصة للأطفال الذين يأخذون النصيب الأكبر من الحلويات والفعاليات والشوارع النابضة بالتراث الشعبي، من خلال هذه العادات وعلى رأسها الشعبونية، يتلقى الأبناء وصايا الأجداد من أفعالهم وأقوالهم، حيث يحافظون على الروابط الأسرية وصلة الرحم، وكذلك يرثون مهن آبائهم.

وأشارت العزيزي إلى أن هذه العادة الجميلة اختلفت اليوم عمّا سبق، وترجع ذلك إلى تغيّر النفوس، وغياب دور الكبير الذي يلمّ العائلة تحت جناحه، وأصبح الناس يسكنون شققًا صغيرة، فتفرقت العائلات الممتدة، كما أن أغلب النساء عاملات، لا وقت لديهن للعزائم والاستقبالات، واقتصرت الشعبونية على يوم واحد بلا مبيت.

وأضافت بحزن غامر، اليوم وفي ظل كورونا التي فرّقت الكبير والصغير لم يعد بالإمكان الاجتماع منعًا لتفشي الفيروس بشكل أكبر وحفاظًا على صحة العائلات.