غزة - مارلين أبو عون - النجاح - يتألمون ويصرخون ،لا دواء يشفيهم ،ولا مقومات للحياة تسمح لهم بأن يعيشوا ماتبقى لهم من عمر في سلام وأمان.

مرضى السرطان في غزة وجعهم وجعين ،فالاحتلال واغلاقاته المتكررة التي يدفعون هم ضريبتها ،أضافت  ألما على ألمهم ، فكثيرا مايمنع الاحتلال دخول الأدوية اللازمة لهم ،فيضطروا لأيام وربما شهور يعانون مرارة ووجع لاينتهي .

صادف يوم الجمعة الخامس عشر من شهر فبراير، اليوم العالمي لمرضى السرطان ، في ذلك اليوم يقف الجميع معهم ويهونوا عليهم قدر المستطاع ، وقد التقت مراسلة النجاح الاخباري مع من جمعوا هم الدنيا واستقر في أجسادهم النحيلة .

الفتاة روان .ش،  وقد فضلت عدم الكشف عن اسمها لا لشيء وانما لأن نفسها تصعب عليها ،إن رأت الشفقة من أعين الناس تقول:" أنا مصابة بالمرض الخبيث منذ سنتين ،وفي تلك السنوات لم يعرف أحد بمرضي من الغرباء سوى أمي وأبي فقط من وقفوا بجانبي ،وكنت طيلة هذه الأيام الطويلة احرص على عدم اظهار المرض لأي كان ،فأنا راضية بقضاء الله ،لكني لست راضية بما أراه في أعين المشفقين علي."

وتتابع : أصعب أيامي ،يوم الذهاب للمشفى لأخذ جرعة الكيماوي الحارقة ،أشعر لحظتها أن كمية من ماء النار تصب في أوردتي وجسمي ،وأكاد أن أختنق ،فمرض السرطان الذي أصابني في معدتي نغص علي كل ملذات الحياة ، وأصبح يلاحقني حتى في مأكلي ،فلاأستطيع أن أتناول شيء ولا حتى أشعر بما يشعر به الآخرون من لذة وطيبة للأكل ."

لم يعلم  الشاب  "خالد راجي" ابن ال20 ربيعاً من سكان مخيم جباليا، أن إصابته العام الماضي بألم بسيط في الرقبة، ستكون بداية المعاناة، وهو يواظب  على جلسات "الكيماوي" داخل مستشفى الشفاء بمدينة غزة، مرة كل أسبوعين برفقة أخيه ، يقول ل النجاح: "العام الماضي أصبت بألم خفيف في رقبتي، في بداية الأمر لم أهتم به وأخذت بعض المُسكنات فقط، ولكن بعد أسابيع عاد هذا الألم من جديد ولكن بصورة أشد، لم أستطع أن أتحملها، فقررت الذهاب للمستشفى لتلقي العلاج".

ويضيف خالد:"بشاعة المرض قضت على كثير من ملامحي بسبب انتشار "الخبيث" في جسدي النحيف ،وفور دخول المشفى عرضتُ على بعض الأطباء، الذين قرروا على الفور إجراء بعض الفحوصات العاجلة وأخذ عينات من الدم؛ للتأكد ممّا يخشون وقوعه ، بعد انتظار لساعات طويلة داخل إحدى غرف المشفى ، جاء الطبيب وتحدث بشكل صريح عن شكوك بإصابتي بالمرض الخبيث في الغدد اللمفاوية.. ومن هنا بدأت المعاناة".

ومضى قائلا: "حاولت أن أسافر للخارج لتلقي العلاج وإجراء الفحوصات اللازمة بمستشفيات أكثر تقدماً، إلا أن الحصار الإسرائيلي، وإغلاق معبر رفح ، وقفا سداً منيعاً أمام استكمال رحلة علاجي، فقررت تفويض أمري لله، وأن أتجرع رحلة العلاج التي لا يمكن لأحد أن يشعر بها غيري".

معاناة خالد وروان وغيرهم  من المصابين  بمرض السرطان، هي من ضمن الآلاف من حالات السرطان  التي تم اكتشافها في قطاع غزة.

طبيب أورام

ويقول مختص الأورام في مستشفى الشفاء في غزة عماد الصواف: "المرضى يطلبون الإذن بالخروج مراراً وتكراراً، لكن الرد الدائم للاحتلال الاسرائيلي هو أن الطلبات تحت التقييم"، ويقول إن "فترة التقييم قد تمتد لسنة أو سنتين حتى يموت المريض، وهذه مذبحة لمرضى السرطان،  لقد قاموا بضرب حصار على قطاع غزة ولا يسمحون لمرضى السرطان بالمغادرة للعلاج".

وأشار الصواف الى أن سرطان الثدي يعد أحد السرطانات الأكثر قابلية للعلاج والشفاء، وبالرغم من ذلك فإن معدلات البقاء على قيد الحياة لدى المصابات بالمرض لخمس سنوات في غزة تصل إلى 30%، مقارنة بنحو 85% في إنجلترا و86% في إسرائيل.

وأكد على ان العلاج الإشعاعي أمر حيوي للحفاظ على الثدي، لكن بما أنه غير متوفر في غزة، فإن عددا كبيرا من النساء يخضع لعملية إزالة الثدي كاملا لإزالة العقدة الليمفاوية التي تكون عادة غير ضرورية.

ولفت إلى أنه  يرى بين خمسين مريضا يوميا، ونصفهم فقط يمكنه الحصول على العلاج الكيميائي في غزة، ونحو ثلثي مرضى السرطان يحتاجون للعلاج بالأشعة، والمئات يحولون للعلاج الخارجي في القدس المحتلة كل شهر.

الأسباب :

من جهته قال الدكتور  مسلم حرب متخصص في أورام الدم ،ان  الارتفاع الذي سماه بـ"الخطير" لحالات الإصابة بمرض السرطان في القطاع، سببها الأول  يعود  للأسلحة ومخلفاتها التي استخدمها الاحتلال في الحروب الأخيرة على قطاع غزة، خاصة "اليورانيوم".

وأكد حرب  أن مخلفات الحروب وإلقاء الاحتلال أكثر من 70 طناً من "اليورانيوم" على غزة، والإصابات المباشرة وغير المباشرة التي تعرض لها سكان غزة نتيجة تلك المواد، وأثرها على البيئة والتربة الزراعية والمياه، أثرت بشكل كبير على المواطنين، وساهمت في انتشار المرض، فضلاً عن أن غزة لا تملك مستشفيات متطورة يمكن أن تساعد في التخفيف من انتشار المرض أو حتى علاج المصابين.

وأوضح أن 60% من خدمات العلاج الكيميائي والإشعاعي غير متوفرة في غزة، وأن أكثر من 30% من الجراحات لمرضى السرطان يتم تحويلها إلى الخارج لعدم توفر الإمكانيات.

وذكر أن هناك أسباباً أخرى تؤدي لانتشار "مرض السرطان" بين السكان؛ منها استخدام المبيدات الحشرية والأسمدة الخطيرة والسامة في زراعة المحاصيل.

ويقول صيدلي العلاج الكيميائي معين سلطان "قبل بدء الحصار عام 2007، كانت غزة مركزا للأدوية"، أما الآن فإنه يصف مكان عمله في المستشفى كمنطقة حرب قائلا "أنا أقاتل في كل مكان، وفي كل يوم، لتوفير الأدوية اللازمة لمرضاي".

ويضيف "لدينا نقص كبير في الأدوية الأساسية، وأنا لا أتحدث عن أجيال جديدة من أدوية العلاج الكيميائي، أنا أتحدث عن الأدوية القديمة التي تستخدم منذ عشرين عاماً في العالم، لدينا نقص كبير منها هنا".

وحسب احصائية سابقة لصحة غزة عن معدل المصابين بمرض السرطان ،حيث يبلغ معدل الإصابة في القطاع 84 حالة بين كل 100 الف نسمة ، وأن إجمالي الحالات التي يتم متابعتها في المستشفيات حالياً نحو 6000 حالة منها 300 طفل، ويتم تسجيل من 100 الى 120 حالة جديدة شهرياً.