النجاح الإخباري - من بيت صبري غريب "أبو سمير" في بيت إجزا إلى جائزة نوبل للسلام: حكاية تختصر الصراع بين قوة الاحتلال وحق الإنسان في أرضه، وبين منطق القوة ومسؤولية القانون الدولي.
يشكّل فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 حدثًا يتجاوز تكريم مسيرتها الحقوقية والقضائية الطويلة. فهو يحمل رسالة سياسية وأخلاقية في لحظة تتعرض فيها منظومة القانون الدولي لضغوط غير مسبوقة، وتتسع فيها الفجوة بين المبادئ التي تأسس عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وعجزه عن حماية الشعوب من الحروب والاحتلال والجرائم الجماعية.
وقد منحتها لجنة نوبل الجائزة تقديرًا لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، ولدورها في تطوير منظومة العدالة الدولية ومساءلة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. وتكتسب الجائزة أهمية إضافية بالنظر إلى مسيرتها في مواجهة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وعملها قاضية في محاكم دولية، وشغلها منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ثم رئاستها لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل، بين عامي 2021 و2025.
لكن الدلالة الأهم لهذه الجائزة لا تكمن في سيرة شخصية استثنائية وحدها، بل في السؤال الذي تطرحه على العالم: ما قيمة القانون الدولي إذا ظل تطبيقه خاضعًا لموازين القوة؟ وما معنى السلام إذا لم يقترن بالعدالة ومساءلة من ينتهكون حقوق الإنسان؟
من مقاومة الفصل العنصري إلى فلسطين
تكتسب تجربة نافي بيلاي معناها من ارتباطها التاريخي بالنضال ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. فقد عرفت، بحكم نشأتها في ظل ذلك النظام، كيف تتحول القوانين والمؤسسات إلى أدوات للتمييز والإقصاء حين تُجرّد من مضمونها الإنساني. ثم أسهمت، عبر عملها القضائي الدولي، في ترسيخ مبادئ للمساءلة عن الجرائم الدولية، بما في ذلك الاعتراف بالاغتصاب والعنف الجنسي باعتبارهما من الأفعال التي قد تشكل جزءًا من جريمة الإبادة الجماعية، وفق شروطها القانونية.
وفي الحالة الفلسطينية، اكتسب عملها بعدًا خاصًا من خلال رئاستها لجنة التحقيق الدولية التي خلصت في تقريرها الصادر عام 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة. واستند التقرير إلى تقييم الأدلة والوقائع، بما فيها حجم القتل والتجويع وتدمير البنية الصحية، وتصريحات مسؤولين إسرائيليين.
في هذا السياق، تبدو الجائزة تأكيدًا على أن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين ليس قضية هامشية أو استثناءً من قواعد القانون الدولي، بل اختبار لمدى عالمية هذه القواعد. فإذا كانت العدالة الدولية تستحق الدفاع عنها عندما يتعلق الأمر بضحايا في مكان ما، فإنها تستحق الدفاع عنها أيضًا عندما يكون الضحايا فلسطينيين، مهما كانت هوية الجهة المتهمة أو وزنها السياسي والعسكري.
حين تختصر حكاية عائلة مأساة شعب
لا ترتبط نافي بيلاي بهذه المبادئ من خلال موقعها الدولي وحده. فقد رافقت رئيس الوزراء الأسبق سلام فياض إلى بيت المواطن الفلسطيني صبري غريب، المعروف بأبي سمير، في بلدة بيت إجزا شمال غربي القدس، خلال زيارتها إلى الأرض الفلسطينية المحتلة في فبراير/شباط 2011، حينها كنت أعمل مع رئيس الوزراء ، حيث كلّفني بترتيبات الزيارة.
كانت الزيارة إلى منزل فلسطيني تحاصره بوابة مستوطنة تفصل أصحابه عن محيطهم، في مشهد يلخص كيف يمكن للاحتلال أن يحوّل حياة الإنسان اليومية إلى معركة متواصلة من أجل البقاء. لم يكن البيت مجرد مسكن لعائلة فلسطينية، بل كان شاهدًا حيًا على سياسة تستهدف الأرض وأصحابها، وتفرض عليهم قيودًا تجعل أبسط تفاصيل الحياة عبئًا استثنائيًا.
البقاء مقاومة
سبق الزيارةَ، كما أي زيارة ميدانية أخرى، الوقوفُ على احتياجات الأسرة أو التجمع السكاني، في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز صمودها ومساعدتها على مواجهة الضغوط والإغراءات التي استهدفت دفعها إلى التخلي عن بيتها وأرضها مقابل مبالغ مالية ضخمة قُدّرت بملايين الدولارات. كان ذلك جزءًا من استراتيجية تستهدف دعم قدرة الفلسطينيين على البقاء فوق أرضهم.
لم تكن هذه الزيارة سوى واحدة من مبادرات أوسع لتعزيز الصمود، انطلاقًا من قناعة بأن البقاء على الأرض، في مواجهة سياسات الاقتلاع، يشكّل أحد الأشكال الجوهرية لمقاومة مشاريع التهجير والتطهير العرقي. وفي هذا الإطار، نُفّذ أكثر من ثلاثة آلاف مشروع صغير ومتوسط في المناطق المهمشة والمتضررة من المشروع الاستيطاني، والمهددة بالمزيد منه، بما فيها المناطق المصنفة "ج" ، وتلك الواقعة خلف الجدار، والتي بلغت قيمتها الإجمالية، خلال نحو ست سنوات، حوالي ملياري دولار.
ولعل أكثر من أدرك خطورة هذه الاستراتيجية على المشروع الاستيطاني الصهيوني العنصري كان بتسلئيل سموتريتش، أحد مؤسسي جمعية «ريغافيم» الاستيطانية. فقد ركزت الجمعية، وفقًا لتقاريرها السنوية المنشورة على موقعها الإلكتروني، جهودها على مواجهة ما عُرف بـ"خطة فياض"، التي أُطلقت عام 2009 بهدف بناء مؤسسات الدولة وإنهاء الاحتلال، من خلال تطوير البنية التحتية، وتوسيع الحضور الفلسطيني على الأرض، وتقليص التبعية الاقتصادية لإسرائيل.
وفي المقابل، صوّرت أوساط استيطانية هذه الجهود بوصفها محاولة فلسطينية لفرض وقائع على الأرض والسيطرة على المنطقة "ج". وكرّست "ريغافيم" نشاطها لمواجهة ما أفرزته الخطة من وقائع تنموية ومؤسسية، مستخدمة مختلف الوسائل العنصرية لاستهداف المنشآت الفلسطينية وهدمها بذريعة عدم حصولها على التراخيص الإسرائيلية. وقد تفاخر سموتريتش بالسياسات الرامية إلى الحد من الوجود الفلسطيني، متوعدًا بتوسيعها لتشمل الجليل والنقب.
واللافت أن الأحزاب الإسرائيلية تتبارى في حملاتها الانتخابية اليوم في تمجيد مواقفها الرافضة لقيام دولة فلسطينية، وتتباهى بمدى انخراطها في إفشال خطة فياض .