نابلس - رجب أبو سرية - النجاح - ليس أمراً بلا دلالة، أو بلا أهمية، أن يستند الكفاح الوطني الفلسطيني للشرعية الدولية والقانون الدولي، فيما تخرق إسرائيل باستمرار، خاصة في علاقتها وتعاملها مع الشعب والأرض الفلسطينيين، القانون الدولي، وتواجَه طول الوقت بالإدانة والانتقاد الدوليين، ومجرد استعراض عام وسريع لجملة القرارات الدولية المتخذة من هيئة التشريع الدولية، اي الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحتى بعض قرارات ما يمكن اعتباره حكومة العالم، أي مجلس الأمن، يظهر بشكل صريح وواضح، بأن إسرائيل إنما هي دولة مارقة، وخارجة عن القانون الدولي.  
 وبمناسبة إعلان استقلال دولة فلسطين التي حلت امس، والذي ألقاه الراحل ياسر عرفات أمام المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988، من المفيد جدا التذكير بأن إعلان الاستقلال في ذلك العام، رغم انه كان إعلاناً سياسياً، حدد الهدف من الكفاح الوطني الذي وصل ذروته في ذلك الوقت باندلاع الانتفاضة الشعبية بين الشعب والاحتلال، ورغم انه لخص المشروع الوطني والهدف من مجمل الكفاح الفلسطيني الساعي للتحرر من الاحتلال الإسرائيلي، إلا أنه من المهم جداً التذكير بأن إعلان استقلال دولة فلسطين، والذي هو مختلف عما اعتادت الدول على إعلانه، بما في ذلك إسرائيل نفسها التي اعلن ديفيد بن غوريون إقامتها عام 1948، حيث ان المعتاد هو ان يتم تحرير الأرض ومن ثم اعلان الدولة عليها، أما إعلان دولة فلسطين في عام 1988، والذي جاء بعد إعلان إسرائيل بأربعين عاماً، اي متأخراً بأربعة عقود من الزمن، يرتكز للشرعية الدولية.
 نقول يستند إعلان دولة فلسطين للشرعية الدولية، ليس فقط لكون 138 دولة من أصل 193 دولة اعترفت بدولة فلسطين، وهي تمثل نحو 80% من سكان العالم، وبما يفوق عدد الدول التي تعترف بإسرائيل نفسها، وليس لأن فلسطين تتمتع بصفة العضو المراقب في المنظمة الأممية، منذ عام 2012، وحسب، بل لأن اساس دولة فلسطين منصوص عليه في قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي من أجل وضع حد للصراع الذي ما زال قائماً، ارتأى إقامة دولتي فلسطين وإسرائيل على ارض فلسطين التاريخية مناصفة، ومعاً وبشكل متواز، اي أن الاعتراف الدولي بإسرائيل كان مشروطاً بإقامة دولة فلسطين.
 ويقيناً لو أن العرب الذين كانوا يتحكمون بمصير الشعب الفلسطيني في ذلك الوقت، كانوا أعلنوا قبولهم لقرار التقسيم، او حتى لو انهم أعلنوا دولة فلسطين على الأرض التي لم تحتلها العصابات اليهودية حتى يوم الخامس عشر من أيار عام 1948، لكانت الأمم المتحدة اعترفت بقيام دولة فلسطين في ذلك العام، فيما كان الصراع بين دولتي فلسطين وإسرائيل قد انحصر حول تجاوز دولة إسرائيل لحدودها المنصوص عليها في قرار التقسيم.
لكن ما حدث لاحقاً لم يغير من الأساس القانوني وحتى السياسي لجوهر الأمر، وإن كان قد غير في التفاصيل، الى ان توج الكفاح الوطني بعد الثورة المسلحة التي فرضت الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني دولياً، حتى دخلت المنظمة الأمم المتحدة كعضو مراقب، ومن ثم وصولا لعام 1993 حيث تم التوصل لاتفاق إعلان المبادئ مع إسرائيل نفسها، وتبادل رسائل الاعتراف المتبادل بين المنظمة وإسرائيل، فأُنشئت السلطة الوطنية كشكل مؤقت تتبعه إقامة الدولة المستقلة .
وحيث ان إسرائيل عملياً قد وضعت العراقيل أمام تحول المؤقت أي السلطة الى دائم أي الدولة، ولم تكتف بذلك، بل ان رئيس حكومتها الحالي نفتالي بينيت صار يعلن صراحة رفض إسرائيل اقامة دولة فلسطين، فإن الاعتراف الفلسطيني بدولة اسرائيل لا يعود قائماً وفق التعامل بالمثل، ولأن اسرائيل لم تلتزم برسائل الاعتراف المتبادل التي تعتبر جزءا من اتفاق إعلان المبادئ، واكثر من ذلك استناداً لقرار التقسيم الذي بناء عليه اعترفت الأمم المتحدة بدولة اسرائيل مشترطة اقامة دولة فلسطين الى جوارها.
 اي ان استمرار إسرائيل بإعلان رفضها الاعتراف بدولة فلسطين، يجب ان لا يدفع القيادة السياسية الفلسطينية الى سحب اعترافها وفق رسائل الاعتراف المتبادل بين الطرفين وحسب، بل وان يتجاوز ذلك الى مطالبة الأمم المتحدة نفسها، وكذلك كل الدول التي اعترفت بدولة إسرائيل الى سحب اعترافها بها، أو على أقل تقدير باتباع اعترافها بإسرائيل باعتراف مماثل بدولة فلسطين، او بالتأكيد على الاعتراف الثنائي وفق الشرعية الدولية بالدولتين معا، وهو الذي يأخذ شكله حالياً من خلال تأكيد معظم الدول خاصة الدول التي لم تعترف بعد بدولة فلسطين، ومنها دول عظمى في مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وبعض الدول الأوروبية المؤثرة عالميا بحل الدولتين.  
هذا بتقديرنا يعني بكل بساطة بأن حرب الاستقلال ما زالت محتدمة وقائمة، ومدخلها بالطبع إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرض دولة فلسطين، وبكل الأشكال الممكنة والمقبولة على المجتمع الدولي في اللحظة الراهنة، وهكذا كان الشعار الناظم لانتفاضة الشعب الفلسطيني التي عبرت مباشرة عن الشعب، بعد ان كانت النخبة السياسية والعسكرية ممثلاً شرعياً وحيداً له، ونقصد به شعار "الحرية والاستقلال"، والذي رفعته الانتفاضة وكرسه إعلان الاستقلال.  
لذا طال الزمان او قصر، سيبقى حق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة قائماً، مع احتفاظه بحقوق أخرى عديدة، بل وبخيارات سياسية أخرى بديلة، كلها لا تقبل بما هو اقل من الحرية وتقرير المصير، وإذا كان هذا الكفاح يخص كل المجتمع الدولي الذي من مصلحته ترسيخ الأمن والاستقرار العالمي، وفي مقدمته الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، بوضع حد لدولة مارقة، وخارجه على القانون الدولي، باحتلالها لأرض دولة أخرى، عضو مراقب في الأمم المتحدة، الى حين إقامتها على الأرض لتصبح فوراً عضواً كامل العضوية، فإن الكفاح من أجل تجسيد إعلان الاستقلال على الأرض إنما هو مهمة ملقاة على عاتق صاحب الشأن بالدرجة الأولى، أي الشعب الفلسطيني.
وبالتفاصيل فإن مواجهة حرب الاستيطان، وحروب القمع المتصلة بجيش الاحتلال، والمستمرة منذ اكثر من نصف قرن، والمستعرة هذه الأيام، هي حرب استقلال دولة فلسطين عملياً، حيث يبدو ان الإسرائيليين يدركون بأن العد التنازلي لخسارتهم الحرب، قد بدأ منذ وقت، وهي كفاح يصقل معدن الشعب الفلسطيني الصلب، ولن يطول الوقت، حتى ينشأ واقع ملخصه أقامة دولة فلسطين الى جوار دولة إسرائيل، أو أطلاق دولة إسرائيل إلى الفراغ، لتتساوى الدولتان في الواقع أو في الفراغ السياسي، بما يحقق إرادة الشعب الفلسطيني والعدالة الدولية في آن معا.