نابلس - أكرم عطا الله - النجاح - ومنذ متى كان العالم متوقفاً؟.
ليس المقصود هذا، بل الدهشة في سرعة التغيير وانقلاب الأولويات والسياسات في أزمنة لم تعد تحسب بالوقت بل بالمواقف المتبدلة دون مقدمات، فالتاريخ يسير بسرعته المعهودة، وحدهم الأيدلوجيون أرادوا تركيب فرامل لعجلاته متأبطين وهم هزيمة المسار الصاعد لمستقبل يمشي بلا توقف وحضارات تتراكم ومنجزات علمية ومجتمعات تلتقط ما هو جديد وتصبح ابنة الحاضر متكئة على إرث طويل ليس للسكن فيه بل للوقوف فوقه، وعلى هذا تنفذ السياسات كخلاصة كل تلك التحولات الهائلة أو بالأحرى هي التعبير عن الجديد دوماً كابنة اللحظة.
ليس المقصود هنا بتحولات رصدها الصحافي الإسرائيلي أمير بوحبوط بمفاجآت الشرق الأوسط وتغيير أولوياته مندهشاً من التقارب القطري المصري بعد معارك غطت ساحات الفضائيات بينهما، وكذلك زيارة وزير الخارجية الإماراتي لسورية فمن كان يصدق؟
هذا لا يمكن القياس عليه ليس بسبب الفشل الدائم في قراءة السياسة العربية كمنتج قبلي لم يتبلور وعيه السياسي بعد وخصوصاً لدى هوامش الصحراء في الخليج.
فالسياسة لها نظرياتها ويصعب القياس على تلك النظريات في عالم لم يبدأ ممارسة السياسة بعد وما يفسر التحولات لديها بعد زيارة مستشار الأمن القومي الأميركي جاك سوليفان الذي جاء حاملاً برنامجاً محدداً، وإن كانت إسرائيل ترقب تحولات المنطقة لالتقاط فرصة وسط سباق حركتها الصاخب.
لكن المقصود هنا التحولات في الوعي الدولي وهو الذي شهد تسارعاً هائلاً بعد ثورة السوشيال ميديا.
وإذا كان يمكن تأريخ ثلاث ثورات كبرى كانت فواصل هائلة في حركة التاريخ ما قبلها لا يشبه ما بعدها وهي: الثورة الزراعية في الزمن النيولتيني في فلسطين، والثورة الصناعية في أوروبا، والثورة التكنولوجية والتي اكتملت ولادتها بعد السوشيال ميديا.
ولكل واحدة معها نسقها الانقلابي في تغيير المجتمعات، فكل واحدة منها شكلت طفرة هائلة، وإذا كان علماء الدراسات الإنسانية قدموا ما يكفي من القراءات للثورتين الأوليين فما زالت الثورة الأخيرة في طور تقديم تفسيراتها وإن أنتجت مولداتها سرعة حتى أسرع من القدرة على قراءتها بذلك التأني لأنها كل يوم تلد جديداً.
وعلى سبيل المثال جاءت الجائحة ليكتشف العالم أنه يمكن تسييره من البيت تواصلاً وتسوقاً وعملاً، فهي أقل أنسنة من سابقاتها بالمعنى الاجتماعي ولكنها أكثر أنسنة بالمعنى القيمي، وهنا بيت قصيد لافت.
إذا لم تتغير يجرفك الزمن والواق ، وتلك سنة الحياة وهناك نكتة شائعة عن جحا الذي سألوه: كم عمرك؟ فأجاب: أربعون سنة، وعادوا لسؤاله بعد عشر سنوات فأجاب: أربعون سنة وعندما طلبوا تفسيراً قال: الرجل لا يغير كلمته، تلك ربما تحمل مزيجاً من الغباء والفهلوة لمن يعاند القدر كحالة تستدعي السخرية.
وهنا يمكن لإسرائيل أن تتبوأ تلك المكانة ليس لأن كاتب المقال فلسطيني ليس محايداً في هذا الصراع، بل لأن إسرائيل التي نشأت قبل أكثر من سبعة عقود والتي لديها كل هذا القدر من علماء الاجتماع الأكفاء فعلاً ما زالت تقف كما جحا بنفس القيم فيما القيم الكونية تتقدم بسرعة هائلة وزادت وتيرتها في العقد الأخير.
وليكون الأمر أكثر وضوحاً، نشأت الحضارات القديمة على الصراعات والدم وثقافة القتل والسلب وسبي النساء حتى في أوروبا، ولكن كان هناك تغيرات طبيعية في كل مرحلة جعلت المجتمعات أكثر تهذيباً وأقل توحشاً، ومع التطور أكثر كان هناك ترويج نحو قيم مختلفة وبالقطع أكثر تقدماً من سابقاتها، بل وأصبحت بعض الأمم تخجل من ممارسات مارستها كانت حينها قيماً بطولية وصولاً إلى حربين طاحنتين أعادت البشرية إثر صدمة الثانية فيها صياغة منظومة المبادئ والأخلاق وقيمة الإنسان.
ولأن الاقتصاد دخل حالة من الاستقرار في العقود الأخيرة ، ولم يعد الهم اليومي يشغل الناس في مجتمعات الرفاهية كما زمن رواية «البؤساء» للكاتب الفرنسي فيكتور هوغو بدأ العالم يتقدم أكثر باتجاه قيم ومبادئ أكثر عدلاً، إذ أصبحت العدالة بعد السوشيال ميديا وانفتاح المجتمعات وتواصلها كأنها في غرفة واحدة ما يشبه الموضة العالمية للجيل الجديد وأصبحت العدالة شعاراً.
وهنا ضبطت إسرائيل متلبسة بالنقيض للشباب الذين يتحدثون ليل نهار عن الحريات والعدالة والظلم والإنسانية وما بين دولة أقيمت عندما كان العالم يغسل للتو شوارعه من الدم بعد الحرب كان متفهماً للطرد والقتل، فمن كان يتوقف حينها أمام مقتل آلاف أو طرد مئات آلاف بينما أوروبا للتو كانت كلها قد تهجرت وخسرت خمسين مليوناً من خيرة شبابها.
وهنا أزمة إسرائيل أمام رأي عام يتشكل بتسارع كبير أنها بقيت على نفس القيم، فما زالت تحتل وتمنع حرية كتلة بشرية اسمها شعب فلسطين وتمنعه من تقرير مصيره وتصادر أرضه يومياً، وبدت كأنها مثل جحا الذي لا يغير كلمته، وإذا كان جحا تلقى سخرية لكن إسرائيل تتلقى غضباً يتنامى وهي تعرفه وتتابعه أكثر منا نحن الفلسطينيين.
هذا ربما ما يفسر هرولة السفيرة الإسرائيلية في لندن والتي كانت تهرب من احتجاج طلاب غاضبين عليها وعلى قيمها ودولتها، وربما لم يكن بينهم فلسطينيون، فقد يحتاج المرء لفرك جفونه كي يتأكد من المشهد، فقد أعدت رؤية المقطع مرتين وثلاثاً لأراقب هرولتها نحو السيارة، والمدهش حقاً أن هذا المشهد يتجسد في العاصمة التي صادرت وطن الفلسطينيين لتهديه لشعب السفيرة تسيفي حوتبيئيلي وهذا لا يحمل فقط دلالات رمزية بقدر ما أنه يجسد حقيقة الوعي والممارسة القادمة تجاه إسرائيل.
وهنا مقارنة ربما تكون واقعية، في شارع أكسفورد الشهير في لندن وهو الشارع الأهم في هذه المدينة مقصد زائريها ترى رجلاً يجلس على الرصيف وبجانبه مكبرات الصوت العالية جداً والكبيرة تصدح بصوت القرآن والتي يمكن سماعها على بعد عشرات الأمتار، هذا يعتبر حرية رأي لا يتدخل أحد لإزعاجه وهنا المهم في بلد يعتبر أن من حق أي كان أن يعبر عن رأيه ولكنه لا يريد أن يسمح للسفيرة الإسرائيلية أن تعبر عن رأيها.
هذا يعني أن هناك جيلاً شاباً يعرف الرواية كلها ولديه قناعاته ولا يريد أن يسمح لأحد أن يمارس عليه الخديعة أكثر، وتلك ستكون ثقافة كونية يمكن رصد مقدماتها في الولايات المتحدة أيضاً ولن تستطيع إسرائيل تغييرها وتلك معجزة السوشيال ميديا لجيل يشكل وعيه بنفسه فكل شيء مفتوح. ولكن إسرائيل ما لازالت تقف عند سن الأربعين تمارس ما كان عادياً ولم تدرك أنه لم يعد من العاديات والمفارقة عندما تبدأ مدن صديقة تطرد ممثلي إسرائيل تنفتح مدن عربية أمامها، وتلك أحجية السياسة العربية العصية على التحليل وفقاً لنظريات السياسة.
وحتى يكتمل المشهد مؤسف أن الفلسطيني أيضاً يقف مثل جحا بلا تغيير متمسكاً بالانقسام كأنه منجز ولا تدرك الفصائل أن السوشيال ميديا أيضاً تفعل فعلها في تغيير الوعي الفلسطيني. فالفلسطينيون بحاجة لالتقاط اللحظة والاندفاع معها لا التوقف بهذا الشكل أو الشلل القاتل لمستقبل الشعب الفلسطيني. لاحظوا ردود الفعل الدولية على اتهام المنظمات المدنية الست بالإرهاب أو مشاريع الاستيطان وتصوروا المستقبل ولكن ..!