نابلس - عبد المجيد سويلم - النجاح - بين الأحداث التي تشهدها السودان إثر الانقلاب الذي قادة «البرهان»، وإعلانه عن حالة الطوارئ، وتجميد الاتفاق «الدستوري» مع المكون المدني من الحكم، وسيطرة الجيش على كل مؤسسات الدولة، وبين «انسحاب القوات الأثيوبية» من إقليم تيغراي، وتقدم قوات الجبهة الشعبية لتحرير شعب تيغراي، والسيطرة على كامل الإقليم، والسيطرة على مدن مهمة في إقليم «أمهرة»، والتهديد بدخول العاصمة أديس أبابا، وإعلان الحكومة المركزية حالة الطوارئ، يصبح السؤال عن «مصير» سد النهضة سؤالاً مشروعاً، بل ويقفز إلى جدول الأعمال السياسي في كامل الإقليم الخاص بالسد والذي يتمثل بالسودان ومصر وأثيوبيا، وفي دول أخرى من دول المنبع.
التأثير على مصير سد النهضة سيكون كبيرا وحاسما في ضوء التطورات التي تتسارع في كل من السودان وأثيوبيا، وعلى النتائج التي ستترتب على هذه التطورات سيتقرر هذا المصير.
في السودان، يواجه الانقلابيون معارضة خارجية تتراوح بين الإدانة والتهديد، وتزداد الضغوط على الانقلابيين من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي، في حين تنعدم الضغوط «العربية» في مفارقة مشينة.
وتزداد الضغوط الشعبية ومن معظم مكونات «قوى التغيير»، ومن منظمات المجتمع المدني الرئيسة، مطالبة بالعودة إلى الوثيقة «الدستورية» ورجوع حمدوك لمتابعة مهامه في رئاسة الوزراء.
لم يتراجع الانقلابيون حتى الآن، لأن التهديدات الخارجية ما زالت دون مستوى إجبارهم على التراجع، وما زالت «قوى التغيير» دون مستوى «العصيان المدني» وشل الحياة السياسية في البلاد.
لم تتكامل بعد الضغوط الخارجية مع تلك الداخلية بسبب تراخي الدول وعدم الحسم النهائي لدى الثانية، ناهيكم عن أن إسرائيل نفسها ما زالت عاجزة حتى الآن، عن استخدام نفوذها بالكامل بعد.
إذا تفككت المؤسسة العسكرية في ضوء تطور الأحداث داخليا فإن وحدة السودان تصبح في مهب الريح، وقد تتطور الأحداث فيها وتصل إلى فكفكات خطيرة قد تؤدي إلى انسلاخات «جديدة» لبعض الأقاليم، والى تمرد أقاليم أخرى، خصوصاً وان الحراك الشعبي ضد الانقلابيين سيفاقم من الأزمة الاقتصادية التي تضرب البلاد، وهو أمر سيحول مسألة قطع المساعدات أو توقفها إلى عامل مؤثر في كل الأحداث.
يراهن الانقلابيون على تراخي الضغوط الخارجية، وعلى الضغط الإسرائيلي لصالحهم مع الولايات المتحدة وعلى بريطانيا والاتحاد الأوروبي بدرجة أقل.
ويراهن الانقلابيون على تفكك «قوى التغيير»، وعلى تراجع المعارضة الشعبية للانقلاب، وعلى «رشوة» كل من سيخرج عن «طوع» «قوى التغيير» وإغداق الهدايا والعطايا عليهم.
كل المؤشرات تقول، إن الحركة الشعبية المناهضة للانقلاب ليست بوارد التراجع، بل وليست بوارد المساومة على ما هو أقل من عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الانقلاب، إذا لم نقل إنها ستطالب بأعلى درجات الضمان لهذه العودة، وبما يكفل خارطة طريق محددة وملموسة للانتخابات العامة وانبثاق منظومة سياسية جديدة منتخبة وديمقراطية.
وهكذا فإن ملف سد النهضة (من الزاوية السودانية) سيتغير مع نتائج التطورات الداخلية، ومع نتائج الأحداث في أثيوبيا.
بل ويمكن القول، إن الأحداث في أثيوبيا قد تدفع الحكومة الأثيوبية إلى «التراجع» عن التزمّت الذي كان عليه الموقف حتى الآن.
أما إذا لم تتراجع الحكومة الأثيوبية عن تزمتها، وأصرّت على اتباع نفس نهجها الحالي، فإن السودان سيمتلك أوراقا ضاغطة على أثيوبيا ليس اقلها تقديم الدعم غير المباشر لجهة تحرير تيغراي، هذا إذا لم تصل الأمور الى منطقة السد، وهي منطقة قريبة جداً من الحدود السودانية، لأن منطقة السد في الواقع كانت جزءاً من السودان، وتمت السيطرة عليها من قبل أثيوبيا قبل حوالي قرن من الزمان ليس أكثر.
وأما أثيوبيا فهي أيضاً تواجه مشكلات خطيرة داخلية وخارجية قد تؤدي إلى تفككها، أو إلى «حتمية» انسلاخ إقليم تيغراي، وبعض الأقاليم الأخرى عن الدولة المركزية وعن سلطة الحكومة الفيدرالية.
لن تتمكن أثيوبيا على ما يبدو من العودة للحكم بإقليم تيغراي بشروطها التي فرضتها بالقوة عندما احتلت الإقليم، ومكثت فيه لمدة سبعة اشهر كاملة وهزمت قوات الجبهة وشتتتها بالتعاون الوثيق مع القوات الأريترية.
الفظائع التي ارتكبتها القوات الأثيوبية في الإقليم، وحالة المجاعة التي يعاني منها الأهالي، وخصوصا في معسكرات التجميع على الحدود السودانية «أجبرت» المجتمع الدولي على فرض عقوبات على الحكومة ما فاقم من أزمات البلاد كثيرا في الآونة الأخيرة.
باختصار، إن سد النهضة سيتأرجح «كقضية وملف» بين تطورات الأحداث في كلا البلدين.
في الواقع، نحن أمام احتمالات تفكك أو انسلاخ أقاليم، أو حالة طوارئ طويلة الأمد، وأمام معارضة شعبية متصاعدة، وأمام احتمالات مفتوحة على حروب داخلية وربما أهلية.
ولأن الأزمات لا تحل أبداً بالحروب أو بالانقلابات أو بحالات الطوارئ أو القفزات في الهواء فإن مصير البلدين بات أمام احتمالات متناقضة وأمام الكثير من الغامض والمجهول، وخصوصا لجهة المسائل القبلية والعرقية المعقدة.
صحيح أن سد النهضة هو موضوع للإجماع «القومي» في أثيوبيا، وليس هناك من اثر مباشر على هذا الإجماع في ضوء التطورات الأخيرة، إلا أن هذا السد هو موضوع للإجماع «الوطني» في السودان أيضاً، وهو في موضع الإجماع القومي أو الوطني المصري أيضاً ما يعني أن كل «إجماع» منها لا بد وأن «يستثمر» في الاختلالات التي ستحدث في أي واحد منها، وهو ما يعني أن كل إجماع لديه حساباته الخاصة، وان التخلي عن أي إجماع لن يكون طوعياً بسهولة.
هناك ما يكفي حتى الآن، من «التوافق» بين السودان ومصر، في حين ليس هناك أي نوع من التوافق مع أثيوبيا.
خيار الحرب من اجل سد النهضة ما زال قائماً، وربما يكون اليوم في الدرجة الثانية أو الثالثة من الأولوية ولكنه قابل للتحول إلى الأولوية الأولى عند درجة معينة من تطور الأحداث في أثيوبيا أولاً، وفي السودان ثانياً.
موضوعياً، مصر، اليوم، وحيال هذا الملف باتت في موقع القوة الأكبر. ليس بسبب تفوقها العسكري الكبير بالمقارنة مع أثيوبيا فقط، لأن هذا التفوق هو تفوق سياسي هائل.
مصر، اليوم، خرجت من حالة الطوارئ، وتحقق قفزات تنموية هائلة، وتحقق معدلات للنمو الاقتصادي غير مسبوقة وتحتل مراكز متقدمة عالميا على هذا الصعيد، ومصر، اليوم، حيدت العامل القطري والعامل التركي، ويستحيل على إسرائيل أن تلعب ضد مصر بصورة مكشوفة، والتطورات في ليبيا تسير وفق الرؤية المصرية أو تكاد، ولديها علاقات متينة مع الغرب ومع الشرق على حدٍ سواء، وهي تحاول بقوة التحول إلى دولة حديثة وتبني البنية الضرورية لهذا التحول، وفتحت ملفات حقوق الإنسان، وملفات القضايا الاجتماعية والاقتصادية لهذه الحقوق على مستوى التعليم والصحة والعمل كمقدمة للحقوق على المستويات السياسية.
الاستقرار المصري هو عامل قوتها الأكبر وهو ما لا تمتلكه السودان ولا أثيوبيا، ما يعني أن سد النهضة سيتحول أُحجية بسبب حالة اللااستقرار السودانية والأثيوبية قبل أن يتحول إلى أمر واقع وراسخ حسب الرؤية المصرية.
هذا درس كبير لنا أيضاً.
دون أن يكون وضعنا الداخلي متماسكا وموحدا فلن يلتفت لنا احد، ولن يجبر العالم على هذا الالتفات.
فقط عندما نصبح أقوياء بوحدتنا، وبقوة وديمقراطية مؤسساتنا، سيجبر العالم إلى الالتفات نحو قضيتنا على الرغم من أنها اعدل قضية على وجه الأرض. حالة الضعف والهشاشة الداخلية لدينا سبب مباشر وأكيد في قدرة إسرائيل على فرض رؤاها، والتملص من نتائج سياستها العنصرية.
عندما نتماسك سيتداعى التأثير الإسرائيلي وسينقلب الموقف الدولي لمصلحتنا خصوصاً أن الرأي العام العالمي يتحول بصورة إعجازية لمصلحتنا ومصلحة حقوقنا الوطنية.