أكرم عطا الله - النجاح - مناخات إسرائيل قلقة بشكل لافت هذه المرة، فلم تكن إسرائيل على هذا القدر من التشاؤم منذ إقامتها، فقد أعدت مبكراً كل الوقود اللازم لاستمرار رحلتها بلا عوائق جدية، أبرزها كما جاء في إستراتيجية بن غوريون، الجيش القادر على هزيمة كل الجيوش العربية مجتمعة، والاتكاء على دولة عظمى. هذا جاء في القرن الماضي حيث خاضت إسرائيل حروبها بثقة بلغت حد التبجح بجيشها القوي متكئة على الولايات المتحدة كحليف هو الأقوى في العالم.
النقاش العام في إسرائيل كأنه يعكس ما يشير إلى قدر من القصور في استمرار الرحلة الهادئة، سواء بالحدث المفاجئ عن وصول إيران إلى دولة حافة نووية، أو على صعيد التطورات في الولايات المتحدة وتأخير قرار تمويل القبة الحديدية بمبلغ مليار دولار حتى بعد صرفه، وفي البعد الثالث كأن الإنجاز الأكبر الذي حققته في العقد الأخير، وهو التطبيع مع العرب، يكاد يفقد بريقه ولم يعد أولوية في الشرق الأوسط ولا لدى الإدارة الأميركية التي ضغطت في عهد ترامب على الدول العربية وأرغمتها على التطبيع.
النقاش حول قنبلة إيران يسيطر بحدة على الفضاء العام، حيث خفتت لغة التهديد والتبجح السابقة التي كنا نسمعها من قادة السياسة والأمن. فمنذ أشهر فقط تسرب عن رئيس الأركان أفيف كوخافي بأنه أعطى تعليمات للجيش لتجهيز الخطط اللازمة لضرب إيران، لكن اللغة اختلفت بل حملت اتهاماً كبيراً لرئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو باعتباره المسؤول الأول عن هذا الخطأ الإستراتيجي عندما دفع ترامب للتراجع عن الاتفاق مع إيران، ما سمح لإيران العمل بحرية، إذ كان الاتفاق قد وضع قيوداً عليها، ولأن إسرائيل دولة مؤسسات فلم يسبق أن حدث اعتراف بخطأ كهذا، خصوصاً في قضايا إستراتيجية.
خلال أسبوع سارع قادة أمن سابقون بشكل لافت لنشر مواقف تتعلق بهذا التهديد. فإيهود باراك رئيس الأركان الأسبق ورئيس الوزراء الأسبق ووزير الدفاع الأسبق، والذي كان مؤيداً لقصف مفاعلات إيران عندما كان وزيراً للدفاع، كتب ما يوحي بأن تتجهز إسرائيل للتعايش مع قنبلة إيران، وكذلك فإن موشيه يعلون وهو رئيس أركان ووزير دفاع سابق يدلي بدلوه، وكذلك رئيس مجلس الأمن القومي الأسبق وأول رئيس مجلس أمن قومي إسرائيلي، وكذلك المؤرخ بيني موريس الذي يدعو إسرائيل للعمل لوحدها عسكرياً لأنه لا مفر، وأيضاً ألوف بن رئيس تحرير صحيفة «هآرتس». هذا السيل من الكتابات من هذا المستوى يعكس ليس فقط مزاج النخبة الأمنية والفكرية بقدر ما يعكس مناخات الدولة.
هناك شعور بالخذلان من الولايات المتحدة، كأنها ألقت بإسرائيل تحت عجلات القطار ولم تفعل شيئاً، إذ كان كل شيء يسير تحت بصرها حتى ترامب الأكثر تأييداً لم يفعل شيئاً. وتُسلّم معظم الكتابات بعدم قدرة إسرائيل على العمل وحدها، فإيران ليست العراق أو سورية، والإشارات الأبرز هي أن الولايات المتحدة الوحيدة القادرة على توجيه ضربة لإيران لا تمتلك أي خطط للعمل. وهنا مأزق إسرائيل، فلو هي قادرة على الضرب لكانت قد فعلتها حتى دون استشارة الولايات المتحدة، كما حدث مع مفاعلات سورية والعراق، وهي غير قادرة على ابتلاع أن هناك دولة نووية غيرها، وهنا تشير بعض الكتابات بيأس إلى تخلي إسرائيل عن سياسة التعتيم النووية كسياسة ردعية وإعلان إسرائيل دولة نووية، ولكن هذا ليس ممكناً وفقاً لاتفاق مع الولايات المتحدة منذ العام 69.
جرى إقرار تمويل مشروع القبة الحديدية بعد تأخير في الموازنة، وكانت إسرائيل تدرك أن الولايات المتحدة لن تتخلى عنها وبالنهاية ستحظى بالتمويل اللازم، ولكن مراقبة الأمر تشي بشيء لا يقل تشاؤماً عن الموضوع الإيراني لمجرد عدم القدرة على تمرير الأمر منذ اللحظة الأولى. هذا يعني أن إسرائيل أصبحت محل نقاش في الولايات المتحدة الأميركية ومؤسساتها، فهذه الدولة التي كانت خارج أي خلاف أو نقاش بين الحزبين، بل كانت محل تودد من قبلهما حد المنافسة لصالحها، أصبحت جزءاً من النقاش العام. وتتابع إسرائيل تنامي المعارضة لها فيما تعتبرها القلعة المغلقة، وتنامي التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي ونجاحه في جعل إسرائيل وملفاتها على طاولة النقاش، وتدرك الاتجاه الصاعد والميول في المؤسسة الأميركية مع إدانة الاحتلال ورفض العنصرية، وتعرف إلى أين سيصل الأمر.
المحرر العسكري لصحيفة «بشيفع» أساف مشنايوت، وبعد إقرار المساعدة لإسرائيل، يعطي تفسيراً أكثر تشاؤماً بأن إقرارها لم يأت محبة لإسرائيل كما يتوقع الإسرائيليون، بل لمواجهة الصين، فالصين تزحف وهي تملأ جيوبها بإغراءات تصعب مقاومتها وجاهزة لكل شيء في منافسة الولايات المتحدة وتتحفز للوراثة. والخشية الأميركية من طلب إسرائيل من الصين وتوجهها شرقاً هو ما جعل البيت الأبيض يبحث عن طريقة لتمويل دفاعات إسرائيل، وهو ما يشير إلى تراجع أهمية التحالف بينهما بدل رعاية وضمان يحمل بعداً تاريخياً ثقافياً إلى قلق أميركي من انزلاق تل أبيب نحو الصين.
وإذا كانت إسرائيل بعد سبعة عقود من تشكلها وبعد إقرار إستراتيجية الأمن، والتي نشرت نهايات الألفية السابقة، بعد مرور خمسة عقود على ذلك الاجتماع الذي ناقش الوثيقة في أيار 49، متكئاً على جيش قوي وتحالف قوي، كان النقاش في إسرائيل كأنه يقول: إن الجيش الإسرائيلي قد تم إعداده لمواجهة حروب كلاسيكية ونجح فيها، لكنه ليس معداً لحروب غير كلاسيكية، والمعضلة الأخرى أن التحالف الإستراتيجي مع دولة عظمى كأنه آخذ بالتراجع، والمستقبل يبدو أكثر إثارة للقلق.
وفي خضم هذا النقاش الحائر في أوساط نخب إسرائيل: هل يعرف العرب ماذا يريدون؟ وأين موقعهم من كل هذه التطورات؟