د. عبد السلام الخياط - النجاح - تُعدّ اللقاحات ومنذ اكتشاف أولها عام 1798م من أنجعِ وسائلِ الوقاية من الأمراض المعدية، وتُعدُّ أساسًا في الرعاية الصحية الأولية على مستوى العالم، وقد حمت اللقاحات بجميع أشكالها أرواح كثيرة من البشرية أكثر مما حمته كلّ العمليات الجراحية والتدخلات الطبية الأخرى. وتُعتبر فلسطين- بحمد الله- من أكثر الدول في العالم من حيث تغطية الأطفال بالمطاعيم، وهذا ما نراه جليًا في انخفاض أو حتى انعدام الكثير من الأمراض المعدية في فلسطين؛ كشلل الأطفال والدفتيريا، وغيرها الكثير. 

يدرك العالم اليوم ومعه مختصّو الصحّة العامة أهمية المطاعيم أو اللقاحات في التصدي لأي مرض وخاصة الأوبئة. وهذا ما لمسناه من اتحاد منظمة الصحة العالمية مع بعض الحكومات وشركات الأدوية، وضخّ المليارات من الدولارات لتطوير اللقاحات في عملية لم يشهدها العالم قبل ذلك، ولربما كان السبب الرئيس في ذلك أن هذا الوباء أصاب جميع الدول الغنية والفقيرة، وحتى تاريخ كتابة هذا المقال هناك أحد عشر لقاحًا تم ترخيصها، إضافة إلى ستةٍ وستين لقاحًا آخر تحت التجارب السريرية.

لم يخفَ على الكثيرين منذ بداية الجائحة بأن الحرب القادمة ستكون على اللقاح، ولقد قيل ذلك في كثير من المنتديات  واللقاءات، وكتبه مختصون وخبراء في العديد من المقالات، ورُفعت توصياتٌ عدة للتعاقد مع الشركات أسوة بكل دول العالم، ولقد نصحنا مبكرًا كغيرنا من المتخصصين بضرورة أن تستعد فلسطين لتأمين اللقاح، الأمر الذي قوبل بكثير من التطمينات وصور الاجتماعات المركّزة والتصريحات التي أكدت مرارًا وفي عدة فترات على أن اللقاح قادمٌ لا محالة، وأنّنا في مقدمة الدول التي ستحصل عليه، تمامًا مثلما كنّا في "مقدمة" الدول من حيث الانجاز في مكافحة الوباء وانتشاره عبر المؤتمرات الصحفية فقط. 

لم نحصل إلّا على فتاتٍ من اللقاح حتى اليوم، وتُعدّ فلسطين في تذييل قائمة الدول عالميًا في أخذ اللقاح، حتى إنّ الأردن الشقيق الذي يتشابه كثيرًا مع واقعنا وأوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية استطاع أن يُقدّم اللّقاح 150 ألف من مواطنيه، وفي المغرب تلقى اللقاح أكثر من 3 مليون مواطن، ناهيك عن دولة الاحتلال والتي تُعد الرقم واحد في العالم في قائمة الدول من حيث تلقي مواطنيها اللقاح. أذكر أيضًا أنه وفي صيف العام الماضي تم التوصية بالبدء بمخاطبة المختبرات العالمية والجهات المُطوّرة للّقاح لحجز حصّة فلسطين بما يتناسب مع العدد المطلوب. حيث إنّ حرب اللقاح ستكون أشد من الوباء نفسه. بل كان يجب علينا أن نستثمر بُعد القضية الفلسطينية على الصعيد السياسي لتشكيل قوى ضاغطة للسعي الجاد في الحصول على اللقاح، وهذا ما يعطي فلسطين مجالًا للمشاركة الدولية ضمن مساعي القيادة الفلسطينية الدائمة للدخول في الدبلوماسية الدولية من أوسع الأبواب، وهذا باب مهم يمكن الدخول من خلاله.

ما يحصل اليوم أصبح مطلبًا شعبيًا وواجبًا أخلاقيًا وقانونيًا، ويجب على الحكومة تفسير ما يحدث بشكل علمي، ليس فقط لأجل الكيفية التي نتعامل بها مع الوباء؛ إنّما لأنّ ذلك من حقّ الناس، وهو حقّب الحياة.

ما يحدث من لغط وما يتناقله البعض من شبهات تقصير أو فساد في إدارة ملف اللقاحات لا يمكن المرور عليه مرور الكرام، فهو أمرٌ جلل، يجب توضيحه بكل شفافية، فكمأ طاحت شبهات مماثلة بمسؤولين في أنحاء العالم... وإذا صحّت كل هذه المعلومات حول التقصير في أولوية إعطاء اللقاحات، فحريّ بأحدهم أن يتحمل مسؤولية العاملين في القطاع الصحي ممن لم يتلقوا اللقاح حتى الآن، هؤلاء الذين أشبِعوا ِشُكرًا وتقديرًا في المؤتمرات ونشرات الأخبار وعلى منصّات التواصل الاجتماعي،لكنّ ذلك لا يُسمن ولا يُغني، إنما هم الآن بأمسّ الحاجة لأخذ اللّقاح، باعتباره حقًا، وليس منّةً من أحد.

لولا بذرة العطاء التي عمّت كل الأرجاء في شعبنا، لاستنكف نصف العاملين في القطاع عن تقديم الخدمة، خاصة عندما يُسأل الواحد فيهم عن أي اللّقاحات أفضل لأنه "صحلنا"...والقائمة تطول، بما فيهم كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.

هناك ما يقارب من 25000 طبيب وممرض في القطاع الصحي في الضفة الغربية وغزة، وهذا يعني أننا لم نستكمل تطعيمهم بعد، فهل من المقبول أن يتم القفز إلى الفئات الأقل حاجة حسب البروتوكولات الدولية؟

الأساس في هذه الجائحة هو صمود القطاع الصحي، ولا يتحقق ذلك إلا بتحصين هذا القطاع، ولكم أن تتخيلوا آثار انهيار المنظومة الصحية، وانعدام فرص تقديم الخدمات الصحية عمومًا، سواء المرتبطة بكورونا، أو التدخلات الطبية الأخرى بما فيها العمليات الجراحية الحيوية!

لقد كان شعبنا وخلال تجربة الانتفاضتين والاجتياحات يتقاسم "العجنة" و"بندورة الحاكورة"....أين نحن من ذلك الآن؟

أرى أنّ موضوع اللقاح هو موضوع حياة، وتداعيات التقصير فيه لا تشبه تداعيات التراخي في تحويلة طبية أو بناء مخالف أو توظيف خارج إطار الإجراءات القانونية، لقد أشعر التقصير في هذا الملف المواطن بالقهر والظلم.

وإنني أطالب كلّ من له علاقة بالملف أن يكون واضحًا جدًا وأن يتحدث بلغة يفهمها النّاس حتى نعلم كم لقاح أُعطي؟ ولمن؟ وكيف؟ أو فلتنشر أسماء من تلقى اللقاح أسوة بتهريب أسماء المصابين!