د. عبدالسلام الخياط - النجاح - من لا يقرأ الماضي لن يرحمه المستقبل.

قد لا تتنبه الغالبية أن سنة انقضت على رصد أولى حالات الإصابة بالوباء العالمي "كوفيد 19" في فلسطين، ولهذا لا بد من التذكر أن عامًا انقضى على هذه التجربة التي اجتاحت العالم أجمع، وهكذا بات من الضروري التوقف مليا على الإجراءات التي اتخذت ومدى نجاعتها، واستخلاص الدروس والعبر للبناء عليها.

فرغم ما تحمله الجوائح من كوارث وماسي إلا أنها تكشف معادن الأنظمة، وتبين بشفافية مدى المرونة والصمود في وجه الطوارئ شأنها شأن الكوارث الطبيعية مع الفارق أن الأخيرة تدوم فترات زمنية قليلة.

تعد الأوبئة اختبارًا لقدرة تحمل النظام الصحي، وما يتبعه من نظام اجتماعي واقتصادي، وهي فرصة لا تعوض للوقوف وأخذ العبر والدروس للاستفادة منها في التقويم وإصلاح ما يجب ‘صلاحه ليس للجائحة فحسب، ولكن لكل ما هو متعلق بالوضع الصحي والنسيج الاجتماعي ومدى القدرة على الاستجابة والديمومة.

قبل الإيغال في المقال، لا بد من التأكيد أن الايقاع الذي فرضته الجائحة في بدايتها كان غير متوقع، وكانت ردة الفعل الأولى لغالبية دول العالم، هي الاغلاق بسبب الجهل "بالعدو" وعدم تصديق ما يحدث.

في فلسطين، كان الرد سريعًا ومبنيًا، أما على رد الفعل العالمي الذي اتخذته الشعوب والأمم، أو بناء على عدم الاستعدادية والتي كانت جلية في التعامل مع أولى الاصابات والتي حاولت الحكومة نقلها لاماكن العزل في اريحا، وتعرضت هذه الخطوة لانتقادات شعبية، كما اتهم القطاع الصحي بعدم الجهوزية للتعامل مع هكذا "جائحة".

ولكن الجو العام في فلسطين كان مغلفًا بحالة طوارئ عسكرية، وهذا أمر متوقع، واستمد من صراعنا الطويل مع الاحتلال. وعلى المستوى الآخر فان الإغلاق الشامل الذي دام أكثر من شهرين عُزز بخوف مجتمعي، وترك أثارًا نفسية واقتصادية مقلقة.

بعد انتهاء هذه المرحلة، كانت الإجراءات الرسمية المتخذة، قائمة على ردود افعال ليست مبينة على استراتيجية واضحة متعددة المساقات، ولا تستجيب لكل السيناريوهات المتوقعة.

فمكافحة الاوبئة هو علم مبني على أربع أسس وقواعد واضحة، وهي:

  1. التنسيق بين المعنيين
  2. المعلومات الصحية
  3. التواصل والاعلام
  4. التداخلات الصحية

الخطوات الأربع السابقة لا بد من تقييمها واتخاذ العبر المستفادة منها، وهو ما سنتوقف عنده بالنقد والتحليل.

أولاً: فيما يتعلق بالتنسيق بين المعنيين فقد كانت الحكومة موفقة في جذب القطاع الخاص والأهلي خاصة القطاع الصحي، وجُهزت الكثير من المراكز بمساعدة أهل البلد من مقيمين ومغتربين.

كما رفد القطاع الخاص الصحي بالمزيد من الكوادر وعزز من إمكانياته ايمانا منه أن التصدي للجائحة مسؤولية الجميع ولا تقع العاتق على جهة واحدة.

لكن الحكومة اخفقت في بعض الأحيان عندما تناست أن القطاعات الأخرى في المجتمع هي شريكة لها ليست في الاحتياجات فقط، وانما أيضًا بصياغة القرارات ورسم الخطط، وخاصة ان قطاعنا الصحي والأكاديمي غني بالعقول النيرة والخبرات الكبيرة، لكن للأسف في الكثير من الحالات لا يؤخذ برأيها.

ثانيًا: المعلومات الصحية، تعتبر خط الدفاع الأول لكبح تفشي الوباء، من خلال الكشف عن الحالات مبكرا وعزلها وتقديم العلاج المناسب لها. وكانت تجربتنا في المعلومات الصحية سيئة جدًا خاصة ببداية الجائحة فأسماء المصابين كانت تتأخر في الوصول إلى المستشفيات ونراها تتناقل كالنار بالهشيم في "مجموعات "وتساب"، ومواقع التواصل الاجتماعي، وهكذا فقد تم انتهاك خصوصية المرضى ولم يتم الاستفادة من منظومة معلوماتية ممتازة تفتقرها كثير من دول العالم.

ثالثاً: التواصل والاعلام، لقد كان القلق في بداية الجائحة واضحا في الرسالة الاعلامية الحكومية، فالشعب كان يترقب الموجز اليومي الذي لاقى زخما كبيرا كان يمكن استخدامه بطريقة أفضل لضمان ايصال المعلومة وتعزيز مفاهيم صحية ومعلومات مبنية على الشفافية لضمان الثقة، ولكن للاسف تم استخدامه في كثير من الاحيان في سياق الانجازات الحكومية والتي ليست المكان المناسب "لاستعراض العضلات" في مواجهة وباء يهدد البشرية باسرها.

كان امامنا فرصة ذهبية تلفت حولها اطياف المجتمع كافة لمحاربة هذا الوباء، وللأسف حتى الآن لا يوجد المصدر الإعلامي القوي لتوصيل المعلومة، ودليل ذلك ما نراه من تساولات من المواطنين عن اللقاح على سبيل المثال وعزوف الكثير عن الفحوصات أو حتى أخذ اللقاح والذي سببه الرئيس التخبط في المعلومة وغياب رسالة توعوية واضحة مما اعطى الفرصة الكبيرة لاستقاء المعلومة من مصادر أخرى غير مبنية على علم ومصداقية.

رابعاً: التداخلات الصحية، كانت بالمجمل مبنية على رد فعل يعزز الشعبوية وغياب الشفافية، واذكر هنا ثلاثة أمثلة:

المثال الأول: لم يكن هناك استراتيجية واضحة بخصوص الاغلاق، فقد قامت الوزارة بتحديد ألوان للمحافظات تعتمد نسبة العيانت الموجبة، ولكن تم تطبيقها مرة واحدة على بعض المحافظات، ولم تطبق في حين آخر.

المثال الثاني: يتعلق بالعزل، ومن يجب عزله، وأين؟

فقد تم تعزيز مبدأ العزل في أماكن صحية وفنادق فاخرة (افتخرنا بذلك ولا اعلم لماذا) ونسينا أن نجهز الجمهور أنه مع تزايد اعداد الإصابات سيصبح العزل في المنازل، وذلك ينطبق أيضًا على العلاج.

أما المثال الثالث، فهو اللقاح، وما يحيطه من أسئلة على غرار، متى، وكيف، ومن، وأين؟ فيجب أن يكون هناك شفافية تامة واسئلة لكل هذه الإجابات، نحن لا نعلم كم وصل لنا من لقاحات، ولا نعلم من تلقاها، إن الشفافية التامة تعزز الثقة وتلف الشعب حول حكومته وتضمن الالتزام بالقرارات الحكومية.

في هذا البلد اناس متجذرين في الأرض يخدمون دون مقابل، منهم من يلبس الرداء الأبيض، ومنهم من يلبس الزي العسكري، ومنهم من يحمل المعول، كلهم واجهوا ويواجهون الوباء كل في طريقه، وما ينقصنا هو قارب يضمهم جميعا ليجدفوا في الاتجاه نفسه، بمعنى آخر ما ينقصنا هو حاضنة تجمع الجهود الجبارة وتبني مؤسسات، ويجب أن يكون الكل شركاء في الاحتياجات والحقوق، وان تكون الشفافية موجودة في كل التفاصيل، فنحن شعب مثقف يأتي بالإقناع لا باللعب بالكلمات.

هذه برأيي دروس يجب أن نتعلمها ونسقطها على كل المواضيع وليس فقط على الجائحة.

لقد كشف الوباء، المستور، المتمثل في مدى هشاشة النظام، وهو ما يستدعي التوقف عنده مليا لتصحيح المسار، واستخلاص الدروس، فكما يقول جبران خليل جبران: "من يشنقه صوت الماضي لا يستطيع مخاطبة المستقبل!".

باحث أكاديمي