معين عودة - النجاح - بالرغم من توقيع الرئيس الفلسطيني على مرسوم الانتخابات التشريعية الفلسطينية لاول مرة منذ عام 2006 والذي طال انتظاره، الا ان الغالبية العظمى من الفلسطينيين لا تتوقع حتى الساعة عقد هذه الانتخابات. هناك العديد من التحديات القانونية التي وضعتها السلطات الإسرائيلية والتي قد تعيق إجراء الانتخابات الفلسطينية في القدس. هذا يعني أن على صناع القرار، إن كان لديهم النية الفعلية لإجراء الانتخابات، العمل منذ الآن والتحضر لتلك التحديات وبلورة آليات مواجهة.

السياسات الاسرائيلية بالقدس

تبدي إسرائيل في الأشهر الأخيرة، بمختلف أجهزتها المدنية والأمنية، حساسية ً مفرطة تجاه أي مظهر من مظاهر النشاط الفلسطيني في القدس، حتى لو كان هذا النشاط مجرد تعبير رمزي عن الهوية الفلسطينية. تستعمل السلطات الإسرائيلية قوانين مختلفة أبرزها قانون تطبيق الاتفاقية المرحلية بشأن الضفة الغربية وغزة لإغلاق المؤسسات، ولفضِّ أي اجتماع أو تجمع سياسي أو ثقافي أو حتى رياضي او كشفي في مدينة القدس.

بعد توقيع الاتفاقيات المرحليّة بين منظمة التحرير وإسرائيل، اتفاقيات اوسلو، قامت الحكومة الإسرائيلية بسن قانونين لتنفيذ هذه الاتفاقيات. القانون الأول، قانون تطبيق الاتفاقية المرحلية بخصوص الضفة الغربية وقطاع غزة للعام 1994، وعُرُّف لاحقا بقانون تقييد النشاط. تطرقت المادة الأولى منه الى مراقبة تنفيذ منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية لالتزاماتها حسب الاتفاقيات الموقعة بين الطرفين، وحصر أنشطة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية داخل حدود أراضي اتفاقية أوسلو، ومنع أي نشاط ذي طابع سياسي أو سيادي "دون موافقة خطية من حكومة إسرائيل" في أي مناطق أخرى. وشددت المادة الثالثة من القانون نفسه على منع عمل السلطة الفلسطينية أو المنظمة أو أي طرف آخر يتعاون معهم داخل أراضي إسرائيل، ما لم يتم منح تصريح خطي من قبل الحكومة.

يعود هذا الى قيام اسرائيل بعد حرب حزيران في العام 1967 بتوسيع حدود مدينة القدس واعتبارها جزءاً من دولة اسرائيل، وجاء هذا القانون ليمنع اي نشاط داخل حدود المدينة المقدسة الا "بموافقة خطية من حكومة اسرائيل".

أما القانون الثاني فهو قانون تنفيذ الاتفاقية المرحلية بخصوص الضفة الغربية وقطاع غزة للعام 1996، وعُرُّف لاحقا بقانون تعديل الصلاحيات القانونية. نظم هذا القانون اشتراك وتصويت سكان القدس الشرقية في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني وانتخابات الرئاسة بالسلطة الفلسطينية.

الانتخابات الفلسطينية في القدس والقانون الاسرائيلي

على الرغم من أن إجراء الانتخابات الفلسطينية في القدس هي أمر ذو مظهر سيادي، إلا أن البند 14 من قانون تطبيق الاتفاقية المرحلية بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة للعام 1996 (الصلاحيات القانونية) سمح للفلسطينيين سكان القدس الشرقية بالمشاركة في الانتخابات الفلسطينية. أعطى البند 14 وزير الاتصالات الإسرائيلية الحق بإعطاء تعليمات لمكاتب البريد الإسرائيلية في القدس للسماح باستضافة الانتخابات في مكاتبها، كما أشار هذا البند بشكل واضح الى أنه "على الرغم من أي معيقات قانونية أخرى، فإن لوزير الاتصالات صلاحية توجيه مكاتب البريد لتوفير كل الخدمات المطلوبة من أجل قيام الدولة –إسرائيل- بواجباتها طبقاً لاتفاقية أوسلو 2."

لقد سمحت السلطات الإسرائيلية للفلسطينيين بالاقتراع بالقدس في الانتخابات الرئاسية التي جرت في العام 1996 وفي العام 2005، والانتخابات التشريعية في العام 2006 وفتحت أبواب مراكز بريدها لاستقبال من ّ أراد أن يقترع؛ الا ان هذا القانون لا يلزم وزير الاتصالات الاسرائيلي او الحكومة الاسرائيلية باستخدام هذه الصلاحيات للانتخابات الفلسطينية القادمة. وامكانية إلزام الحكومة الاسرائيلية لاستعمال صلاحياتها وفتح مكاتب البريد بالقدس لاتمام العملية الانتخابية الفلسطينية مرة اخرى ما زال غير مطروح حتى الساعة ولم تتم مناقشته، على الاقل علناً، في الحكومة الاسرائيلية. كما لم نسمع عن طلب فلسطيني واضح من الاتحاد الاوروبي او الادارة الامريكية الجديدة لتفعيل هذا القانون.

بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الاخيرة في العام 2006 بجميع المقاعد في مدينة القدس، قامت وزارة الداخلية الإسرائيلية في شهر مايو/أيار من نفس العام، باصدار قرار قضى بسحب حق الإقامة الإسرائيلية من نوابِ القدس المنتخبين وهم: أحمد عطون، ومحمد طوطح، ومحمد أبو طير، والوزير السابقّ لشؤون القدس خالد أبو عرفة، تحت حجة "عدم ولائهم لدولة إسرائيل". وهذا يعني طردهم من مدينة القدس، وعدم السماح لهم بدخولها مجدداً.

وفي بداية آذار 2018 أقر الكنيست بالقراءتين الثانية والثالثة تعديل البند 11(أ) من قانون الدخول لإسرائيل الذي يعطي الصلاحية لوزير الداخلية بسحبَ إقامة كلِّ من يقوم بأفعال تمس بولائه لدولة إسرائيل. الا ان تعديل البند 11(أ) لم يوضح مفهوم "الولاء" وتركه فضفاضاً. هذا الامر سمح لوزير الداخلية الاسرائيلية باستخدامه وفقاً لتفسيراته، ومن دون اية ضوابط، ولا يستبعد ان تعمل الحكومة الاسرائيلية على تكرار فعلتها هذه بعد الانتخابات القادمة وتقوم بسحب اقامات النواب المقدسيين المنتخبين، وربما تقوم حتى بسحب اقامات كل المرشحين في هذه الانتخابات تحت نفس ذريعة الولاء.

إغلاق ومنع أي تجمعات انتخابية

يعطي قانون تقييد النشاطات أعلاه صلاحية كاملة وواسعة لوزير الشرطة/ وزير الأمن الداخلي بإصدار قرارات إغلاق أو منع أي فعالية تفوح منها رائحة سيادة أو سيطرة فلسطينية بالقدس. القانون أعطى الشرطة الإسرائيلية الحق باستعمال كافة الوسائل المتاحة لها حسب كل القوانين الاسرائيلية. كما انه لم يحدد ولم يعرف الفعاليات السياسية أو السيادية التي تعطي الحق بتفعيله. كذلك يمنح القانون سلطة تقديرية واسعة للأجهزة الأمنية لمنع أي نشاط وإغلاق أي مؤسسة، فقط لمجرد الاشتباه بعلاقات مباشرة أو غير مباشرة مع شخصيات في السلطة الفلسطينية، ويمنح صلاحيات واسعة للأجهزة الأمنية الإسرائيلية لاستصدار أوامر إغلاق ضد مؤسسات أو فعاليات بدعوى فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة.

لم يحدد القانون ماهية أو معنى الفعاليات أو المؤسسات التي تُنَفِّذ سياسات ذات طابع فلسطيني سيادي بالقدس، وهذا الأمر ترك تفسير معنى "ذو طابع سيادي" للأجهزة الأمنية الإسرائيلية ووزيرها. وعلى سبيل المثال، استخدمت الاجهزة الامنية الاسرائيلية هذا القانون قبل عدة أشهر لإلغاء دوري كرة القدم للعائلات المقدسية الذي نظمته جمعية برج اللقلق الفلسطينية بالبلدة القديمة، وتم رفض استئناف الجمعية بالمحكمة العليا الاسرائيلية، وتم ابلاغ محاميها ان اصرارها على الاستمرار بالدعوى قد يؤدي الى اغلاق المؤسسة نفسها.

هذا يعني ان اي تجمع انتخابي فلسطيني للمشاركة بالانتخابات المزمعة يمكن بسهولة شديدة ان يقع ضمن هذا القانون، مما يمهد لالغاء الفعالية واغلاق اي مؤسسة او فندق يقوم باستقبال هذا التجمع واعتقال القائمين عليه.

باختصار، تمتلك اسرائيل القدرة على وضع الكثير من المعيقات والعراقيل أمام الانتخابات الفلسطينية في القدس، وذلك من خلال عدم السماح لمراكز البريد او غيرها في استضافة مراكز اقتراع، او بمصادرة صناديق الاقتراع بعد اغلاقها وقبل فرزها، او بمنع اي تجمعات او ندوات انتخابية بالقدس. وايضاً باعتقال أو سحب اقامات المرشحين او النواب المنتخبين عن المدينة كما حدث سابقا.

العراقيل أعلاه لا تقتصر فقط على مدينة القدس، بل بإمكان إسرائيل وضع عراقيل مشابهة في الضفة الغربية. منع الحركة يوم الانتخابات، او اعتقال المرشحين او النواب المنتخبين كما حدث سابقا، وهو أمر وارد وليس بعيدا عن يد إسرائيل الطويلة التي يمكن ان تمتد الى أبعد حدود.

وفي حال كانت السلطة الفلسطينية جادة في عقد الانتخابات في المواعيد التي حددتها، فان عليها ان ترتب أوراقها اولاً، وعليها ان تضغط على المجتمع الدولي للمساعدة في انجاز هذا الاستحقاق الانتخابي الذي قد يساهم في اعادة ثقة الفلسطينيين بقيادتهم ويعززها.

* محام مقدسي متخصص في القانون الدولي، ويتابع حاليا دراسة الدكتوراة في حل النزاعات في جامعة جورج ميسون في واشنطن.

 

 

نقلا عن صحيفة القدس