خالد بارود - النجاح - الاختلافات السياسية والحزبية في أي دولة أو مجتمع تعتبر ظاهرة صحية إذا تحققت فيها الموضوعية واحترام الرأي الآخر، وكانت بوصلتها موجهة لمصلحة الوطن والمواطن، كما أن الانتقاد البناء للسلوك السياسي والاداري لأي حزب أو شخصية سياسية حق من حقوق المواطن إذا حافظ المواطن على مباديء الأدب وكانت ضمن الاطار القانوني والشرعي والقيمي للمجتمع، ولكن مع الأسف يتعمد بعض المختلفين سياسياً أو أيديولوجياّ استخدام طرق غير أخلاقية في التعبير عن آرائهم تجاه خصومهم وانتقاد سلوكهم السياسي بطرق غير أخلاقية، تتنافى مع ديننا وقيمنا ووطنيتنا، وأخطر تلك الوسائل ممارسة الارهاب النفسي على شخصية معينة _ وفي الغالب تكون شخصية قيادية مؤثرة _ ومحاولة المساس بها معنوياً وبشكل متكرر ومستمر ونشر ثقافة جمعية ورأي عام عدائي ضد الشخص المستهدف، من خلال تسليط الضوء عليه بكل ما يسيء له ولسمعته، ويضاعف في ايذائه النفسي باستخدام كافة الوسائل الاعلامية المحسوبة، وخلق الأكاذيب المنسجمة والمتوافقة مع مصالح الجهة التي تقوم بهذا الدور القذر، وتلفيق التهم والافتراءات المختلفة، التي تصل إلى حد التخوين والتكفير، بالاضافة إلى التتبع المستمر للشخص المستهدف والتربص به، وفبركة تصريحاته وصوره باستخدام تقنيات حديثة كالفوتوشوب، واستقطاع بعض كلماته وتحويرها، وفبركة بعض أقواله وتزويرها، ونشر تصريحات مزيفة على لسانه، واستغلال أي خطأ أو زلة لسان مع تضخيمها وتوسيع دائرتها، وتشويه صورته السياسية وسمعته الأخلاقية أمام الرأي العام، إضافة، للاستهزاء به من خلال البرامج والصور الساخرة، واطلاق الشائعات التي من شأنها الانتقاص من قيمته وهيبته؛ ليتم استنزافه معنوياً، وإضعاف تأثيره في محيطه ومجتمعه ويصبح محل اتهام في عيون من حوله، وتقديم صورة سلبيه مكذوبة عنه لمجتمعه، لرسم صورة بشعة ومكذوبة مغايرة للصورة الحقيقية.

 هذا النوع من الاستهداف النفسي والاجتماعي يطلق عليه الاغتيال المعنوي الذي يتم فيه الاعتداء المقصود على الشخص المستهدف (الضحية)، والذي يقصد به القتل البطيء له، ودفعه للاحباط والاكتئاب والعزله والانكسار، وهو من أبشع صور الاعتداء على حرمة إنسان، وأشد قسوة وأكثر تأثيراً من الاغتيال الجسدى؛ لعواقبه الخطيرة على المجتمع وعلى الشخص المستهدف؛ لأنه ليس من السهل اقناع الناس بالصورة الحقيقية للشخص بعد أن تستقر صورة ذهنية سيئة في عقول الناس، وتصبح من ثوابتهم.

وقد يصعب على بعض الأشخاص المستهدفين أن يقنع نفسه بصورتة الحقيقية، قد يصل به الحال ليصبح أسير الصورة المغلوطة. فيعزل نفسه ويستخدم كل وسائل الهروب من المجتمع _أقصد الهروب السياسي_ وعزل نفسه وتجميد ظهوره، وهروبه من الاعلام والكاميرا وتقليل تصريحاته؛ وهذه أسوأ نتيجة لعملية الاغتيال المعنوي للشخص المقصود، وبهذا السلوك يكون قد حقق أهداف الجهات التي استهدفته .

وللأسف أن بعض الذين يساهمون فى مثل هذه الجريمة بشكل مباشر أو غير مباشر مجموعة من المثقفين والإعلاميين، إما بنشرها وترويجها دون التحقق من صحتها أو بتبنيها. دون إدراك لحجم خطورة الدمار الوطني والشرخ الاجتماعي الذي تخلفه هذه الجريمة النكراء، وهذا الاستهداف القذر، وما يسببه من فقدان الثقة بين الجميع قادة ومواطنين، وضرب مصداقية المرجعيات القيادية والشخصيات السياسية والاجتماعية المؤثرة في مجتمعنا.

وفقدان الأمل في تحقيق أي انتصار أو نهوض أو إصلاح للمجتمع، وادخال المجتمع فى حالة من الاحباط والنقمة والتذمر؛ والفاعل يكون قد حقق أهداف الاحتلال في ضرب النسيج الوطني بقصد منه أو بجهله وسذاجته.

 ومن الأهمية بمكان أن يحافظ القائد الحقيقي على حالته النفسية، ومزاجه الطبيعي ولا يكترث بكل ما يشاع ولا يهتم بكل ما يقال في غير الحقيقة، ويتحمل الضغوط التي يتعرض لها، وإلا سيكون مصيره الانعزال والكسر، وبذلك يكون قد حقق مراد أصحاب الأهداف غير النقية، وقوة تحمله ستكون سبباً في تغيير مؤكد واصلاح حتمي.

والقائد الحقيقي هو الذي يحترم نفسه، ويمارس قناعاته، ويؤمن بسلوكه الاجتماعي الذي ينسجم مع مبادئه، ويؤمن بدوره السياسي الذي يرى فيه أهمية وجوده؛ غير خائف ولا مهزوز أو محبط من قيل وقال، وقراراته لا تحددها إشاعة هنا أو هناك من بعض السذج، ولا يوجهها الفيسبوك والمواقع الصفراء وإنما نابعة من رؤية تنسجم مع المصلحة العامة، وادراك المستقبل بشكل موضوعي مرتبط بالمنطلقات القيمية والدينية والوطنية.

هذا الحال لا يقتصر على مجتمع بذاته، ولكنه يتكرر مع جميع المصلحين والقادة على مدار التاريخ البشري، واختص الله به الأنبياء والمرسلين، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة وخير مواس وأنيس لكل من كان ضحية مثل تلك الاعتداءات؛ وتأكيداً على أن الكثرة ليست دائماً على حق؛ فقد تعرض محمد صلى الله عيه وسلم لاعتداءات جسدية ومعنوية في شخصه دون وجه حق، رغم علمهم أنه على حق، حيث تم اتهامه من معارضيه في شرفه وعرضه، وقيل عنه مجنون وساحر، ونعتوه بأوصاف لا تليق بنبي ولا برسول كريم، وحاولوا كسره وإضعاف تأثيره، حتى وصل به الحال إلى حد البكاء تارة، والدعاء لهم بالهداية تارة أخرى، وفي نفس الوقت استمر في دعوته ولم يتخلّ عن قيادته لأصحابه رغم قلة مناصريه وكثرة معارضيه، ولم يتوقف عن ممارسة قناعاته ومبادئه، بل تحمل الأذى واستمر رغم كل محاولات معارضيه الفاشلة في اغتياله معنوياً، وفي النهاية انتصر وحقق وعد الله في نشر دعوة الاسلام.

وختاماً، فإن الحق والحقيقة أن أسلوب "الاغتيال المعنوي" هو أسلوب الضعفاء المهزوزين العاجزين عن مواجهة الفكرة بفكرة مضادة، ما يدفعهم إلى الهرب من المواجهة الفكرية إلى شخصنة المواجهة مع من يخافون مواجهته في ميدان الفكر والمنطق، ظناً منهم أنهم لن يهزموه إلا في ميدان الاغتيال المعنوي لشخصية وصورته، وهذا ديدن الضعفاء والمهزوزين.